مصطفى حمزة .. الغناء بصفاء ونقاء


ثمة من يرى في الكتابة الفنية الغنائية، أنها غير ذات جدوى، ولا طائل منها، فهي بحسب ما يرى، ملهاة للقارئ عن قضاياه الحسّاسة المصيرية وهمومه الحياتية اليومية، لكأنه لا يدرك مدى ارتباط الفرد بالغناء منذ طفولته، وحتى يمرَّ بمراحل عمره كلها، وتغلغله في جوانب مهمة من شخصية الإنسان، فيما يرى آخرون، أنّ لا فائدة تـُرتجى أصلاً من المقالات، التي أعرض فيها لبعض من الفنانين الليبيين، خصوصاً وأنّ أغلب هؤلاء الفنانين، في تصورهم، أما فقد بريق صوته بفعل تقدمه في السنِّ، أو هجر الغناء باكراً إلى غير رجعة، لأسباب أعلم بعضها الأقل، وأجهل بعضها الأكثر.وبحسب ما أرى، أنّ الأغنية الليبية، لا تـُعتبر مجالاً رحباً للكتابة، فهي ليست حقلاً خصباً لأنْ يجد فيها الكاتب ضالته، إلا في منطقة معينة منه، هي تلك الفترة الممتدة من أوائل ستينيات القرن المنصرم، وحتى منتصف ثمانينياته بالتحديد، فقد ظهر خلال هذه الفترة، جيلٌ من المطربين، الذين تمتعوا بمواهب صوتية ممتازة، وإنْ اختلفت مع بعضهم لجهة ذوقه ولونه واتجاهه، الذي اختطه لذاته بنفسه، فهذا لا يمنعني من أن أقرّ بموهبة ذلك الجيل، ما أسهم في إنعاش الأغنية الشعبية، ورفعة الأغنية الحديثة آنذاك.غير أنّ هناك خللاً، واكب ظهور ذلك الجيل المبدع، من حيث الدعاية والاهتمام، ولا المبالاة، فقد كان لزاماً على النخبة المثقفة الليبية، التي عايشت عصر ازدهار الأغنية الليبية، أنْ تسلط مصابيح أقلامها على الغناء الحديث، الذي قدّمته ثلة من الفنانين الجدد، الذين برزوا بألوانهم المتطورة والملتزمة - في آنٍ معاً - بأصول الغناء العربي السليم، فلو قامت تلك النخبة المثقفة بواجبها على أحسن وجه، لما اعتزل ـ بحسب ما أحسب ـ أحدٌ من ذلك الجيل فنه، ولظلّ يصدح بغنائه عالياً إلى يومنا هذا، فخسرنا نتيجة لذلك، أصواتاً قلما يجود الزمن بها، مثل صوت الملحن والمطرب "أحمد كامل "و "هاشم الهوني "و "محمد نجم "و "لطفي العارف "و "عز الدين محمد "و "وحيد سالم "و أخرهم هؤلاء، الفنان الشاب "جابر عثمان "و أخشى أن يكون الفنان "عادل عبد المجيد "قد حذا حذوهم، فيئس واعتكف، هو الآخر، بعد استبسال بطولي طويل.ولعلّ الصورة المرفقة في صدر مقالتي هذه، قد قامت بواجبها وأوحت لكم بواحد من أصحاب الأصوات الجميلة، الذي بزغ نجمه في تلك الفترة الذهبية من الأغنية الليبية، وسبقتني إلى التعريف به، أو بالأحرى، إلى التذكير به، لأنه في الحقيقة ليس في حاجة إلى أن أُعرّف به، فصوته وأعماله هي من قدّمته للمتلقي، في صورة أبهى وأحلى من صورته الفوتوغرافية هذه، التي عثرت عليها بشق الأنفس، مع أنها غير واضحة للعيان، فهي كما ترون، ملتقطة بواسطة عدسة جهاز الهاتف النقال من خلال الشاشة المرئية لإحدى أعماله المصورة منذ ربع قرن، على وجه التقريب.فصوت الفنان مصطفى حمزة ذو مساحة عريضة، يصعب حصرها بوحدات قياس الطول والعرض، المعمول بها، تزيّنه الحليات الصوتية "التريلات" ما جعل غناءه، يكتسي حُلة قشيبة تتربع على قماشتها الحريرية، رسوم لزهور وفراشات الإحساس العميق بالمعنى والعاطفة الجيّاشة المؤثرة في النفس البشرية، إلى حدّ البكاء في المقاطع الحزينة، من دون محاولات مزيفة منه لذلك، وعلى نحو غير مسبوق، وبملامح يتبيّنها المستمع، حتى وهوّ ينصت إلى المذياع لا جهاز التسجيل لأنّ أشرطته غير موجودة في السوق، فإذا كنت سعيد الحظ وصادف وجودك في البيت، تكرُّم الإذاعة ببثِّ عملاً غنائياً له، ستتكشف ملامحه الصوتية من غير استخدام مضخمات الصوت البشري الإلكترونية.ليس هذا فحسب، فالإحساس النقي الذي يشدو به هذا الفنان، لا تودّ معه، ولا تسمح أثناء غنائه، بأنْ يعكر صفو إنصاتك، حتى هسيس خفيض لصوت من أصوات الطبيعة، ولو كان خرير الماء، فهو يغنيك عنه سمعاً لا شُرباً بالطبع، ذلك كي لا يقطع عليك لحظات الخيال الجميل والممتع الذي تعيشه معه ويتزيّ به صوته العذب الحنون، فمن خصائص هذا الصوت الرائع والرائق، ما مكّنه من أداء أرقى طبوع الغناء العربي المتقن، المتمثل في فن القصيدة، فأفلح وأبلى بلاءً حسناً في قصيدته ذائعة الصيت لا البث "كان يهواني" التي ينشد فيها هذه الكلمات الفاتنات:إن سألوك عني اليوم قولي كان يهوانيكان يحبني كان يخصني بقلبه الحانيقولي لهم كنت ليلاه كنت دنياه و كنت أاحبه ملء إيماني…إنْ سألوك عني اليوم قولي مضى عنيتاركاً قلبي على جمرات الصدّ تحرقنيو ذكريات غوالي وأشواق تعذبنيقولي لهم كنت أهواه ويهواني…إنْ سألوك عني اليوم قولي كان يهوانيكان قدري ومصيري وأحلاميكان أملي وتاريخي وعنوانيقولي لهم يا ويلتي كان يهواني..
فهذه القصيدة من خلال ما قرأتم من معانيها، تحوي قصة درامية حزينة، لايقدر أيُّ صوت على أدائها، ما لم يكتسب ميزات هذا الصوت "الحمزاوي" الجميل، التي أضيف إلى ما ذكرت منها في أعلاه، أنه أثناء الأداء، يبدو صافياً رقراقاً، فلا تختلط معه أية شائبة أو نقيصة صوتية في حنجرته الدافئة، لكونه صوتاً رصيناً وجاداً ومتدرباً جيداً على أصول الغناء العربي الصحي، المطرزة أبياته، على نسيج اللغة الفصحى، وكذلك العامية اليسيرة الفهم، وهذا ما تجلى في عدة أعمال له، قوّلبها موسيقياً المُلحِّن المجدّد "عمر الجعفري "منها مثلاً، أغنية "ما يهمنيش" و"غنّي يا طير" و"يا صباح الخير يا بلادي" والأخيرتان، تعدان من أشهر أناشيد الصباح في ليبيا لكني أدعوكم لحفل خيالي ساهر، نقيمه على شرف هذا الفنان، لنسعد ونستمتع بصوته الساحر، وهو يتغنى بهذه الكلمات الرائعات، التي تتضمنها أغنيته المشهورة "حب كبير" التي لحنها له هي الأخرى، الموسيقار "عمر الجعفري":حب اكبير وأنتي موش وديدةود اكبير أنا حياتي سعيدة…زيدي في عنادي وزيدي الشوقزيدي في بعادي طيف اعزيزرسمه علي الوسادي..طول اليوم بيه نفسي سعيدة…قولي شنو ذنبي قلبي حنونهكي عطاه ربي ابحب الزينراهو موش امخبي..كيف ايميح لمحبة شديدة…لا اتلومي عليا حضنتك راهبمحبة قوية وعهد اللهمخلص يا ابنية..القلب ايذوب وعذابه ايريده..بقي أن أعقب في أعقاب هذه المقالة، بحقيقة أن كتابتي عن هذا الفنان الجميل، ربما لم تأتِ في غير أوانها، أي بعد أن اعتزل الغناء، وآثر الركون إلى الراحة، فلتعتبروها لمسة وفاء مني تجاهه، وأحب أن أعلم من لا يرى في الكتابة عن الأغنية الليبية، فائدة قد تعود مباشرة على القارئ، بأن مكوثي في بستانها لن يطول كثيراً، لكوني من البداية، لم انتهج أسلوب التوثيق في مقالاتي هذه، بقدر ما دفعتني ذائقتي الفنية، إلى تناول أصوات وشعراء غنائيين وملحنين عباقرة، وجدتهم يستحقون التقدير والثناء على ما شنّفوا أسماعنا به من غناء.

تعليقات

  1. بارك الله فيك و بجد بدون مبالغة مقالك أكثر من رائع و كلماتك قريبة جداً من القلب وخصوصاً عند كلامك عن الفنان مصطفى صاحب الصوت الدافئ , تقبل تحياتي .

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الإنشاد الصوفي

محمود الشريف .. ربيع الأغنية الليبية الاجتماعية

عبد السلام زقلام .. شاعر من زمن الحبّ والطيبة