دور التشكيل الموسيقي في الأغنية العربية

شاهدت ذات صائفة، حفلاً غنائياً خليجياً في إحدى القنوات الفضائية، وفي كل مرة كنت أتفرج فيها على غناء هكذا، أجدني من حيث لا أحتسب منصرفاً إلى مراقبة عناصر الفرقة الموسيقية المنتشرة على ركح المسرح أو في الهواء الطلق. وأذكر فيما أذكر، أنها كانت (الفرقة الماسية) اللامعة في سماء الفن، بقيادة (المايسترو الألمعي الراحل أحمد فؤاد حسن).
هذه الفرقة التي طالما عزفت وراء جهابذة الغناء العربي من مطربين ومطربات، إبان زمنه الجميل، وقامت بالإعداد والتوزيع الموسيقي لعديد الجُمل الموسيقية لفحول الملحنين. إذ تبدّى ليّ بجلاء، وعلى ميمنة الشاشة تحديداً، عازفو الإيقاع بأسمالهم الخليجية التقليدية، وعلى يُمناهم، أي علي ميسرة الشاشة، كان ظاهراً أعضاء الفرقة الماسية ببزاتهم الإفرنجية، بعدد لا بأس به ويكافئ عدد الأولين، مع أنّ عدد الآلات التي كانوا يعزفون عليها، أكثر بكثير من آلاتهم الإيقاعية، من حيث التنوع بالطبع، حيث إنهم كانوا يتأبطون ويحتضنون الآلات الوترية والنفخية والكهربائية.هكذا تشكلت هذه الفرقة المركبة، وكان لتشكيلها هذا دور فاعل أعمق الفعل، في وصولي إلى حقيقة مهمة، تتعلق بهذا الصنف الغنائي، وهيَّ: أنّ الأغنية الخليجية في الواقع، إنما هي أغنية إيقاعية، بدرجة أو بأخرى. ولست أعزو ذلك إلى خلل فني في هندسة الصوت، لا بل إلى خلل من نوع ثانٍ، قد وقع، فعندما رهفت السمع جيداً إلى النغمات الناتجة، وإلى أسلوب الأداء الغنائي، أتضح ليّ أنّ المفهوم الموسيقي هنا، قد حدث له شيء من الاختلاف، وأصبح حالة شاذة عن الغناء العربي، فبدلاً من أن تكون الأنغام القرعية لضبط الإيقاع وكفى، أضحت هي من تُصاحب أداء الفنان، عوضاً عن الآلات الوترية التي باتت هي من تضبط الإيقاع، وهذا لمن العجب فعلاً.
ولأنّ هذه الفواصل الزمنية كانت قصيرة جداً، وتقاس بعُشر الثانية، بفعل كثرة الإيقاعات وتزاحمها، أضحى كل عازف، يختلس (صولاً) موسيقياً، بطريقة خاطفة، بآلته المختلفة عن آلة الآخر، الأمر الذي ولّد شذرات لا تقترب من كونها جملاً موسيقية مفيدة، على غرار مفهوم الجملة المفيدة في لغتنا العربية، حال اكتمال رُكنيها. فهل سيربك الموقف، ويغير من الأمر في شيء؟ لقد استمعت إلى الأغنية عينها قبلاً، وشاهدتها في حفلة أو بالأحرى في جلسة فنية مرئية، وفيها ظهر هذا الفنان وهوَّ يؤديها، وقد جالسه مجموعة من المطبلين والمصفقين والضاربين على الآلات الإيقاعية النحاسية، وإلى جانبه لصقاً كان ثمة عازف كمان وحيد، في جلسة كانت على هيئة مربع ناقص ضلع، تتوسطه مواقد الفحم لتسخين الدفوف. ومن الجدير بالوقوف عنده طويلاً وكثيراً، هو أنّ هذا الفنان الذائع الصيت، قد استغنى تماماً عن عازفي الإيقاع، الذين طالما رأيناهم من ضمن تشكيل الفرقة الماسية، نظراً لكونهم لا يفقهون شيئاً في هذا النمط من الإيقاعات الغريبة عليهم، والمنتمية إلى الغناء الشعبي المعروف في هذه المنطقة، والمؤسسة على المقام الخماسي البعيد كل البعد عن الموسيقا العربية.فعندما يصعد إلى ركح المسرح، مطرب مُلم بأصول الغناء الشعبي والحديث كذلك، تأخذ الفرقة في التشكل بحسب اللون الغنائي، وبعديد التركيبات المتباينة، فلو استهل وصلته بأغنية شعبية، نرى عازف الطبل، وهوّ يقرع على آلته ويحجل في كل مرة على قدم بجانب المطرب، مضفياً على العمل شيئاً من التطريب المُحبب إلى الحضور والمشاهدين.والأمر ذاته، يحدث في تشكيل عازفي الآلات الوترية، لمّا يلقي عازف (البزق) بآلته، بعد الفروغ من تقديم الأغنية الشعبية، وانتقال الفرقة إلى العزف الخاص بالأغنية الحديثة، مبدلاً إياها بآلة (الجيتار) مثلاً، التي تم إقصاؤها في البداية، وحال عودته إلى ما بدأ به، يرجع الأمر إلى ما كان عليه أولاً.
ومن هذه الفروق أيضاً، أن ثمة حرصاً في الأغنية الشامية على التفريق بين الغناء الشعبي القديم والغناء الجديد، من خلال التغيير الدائم لتشكيل الفرق الموسيقية، وإظهار كل لون بخصوصياته وآلاته الموسيقية، على النقيض من الغناء في الخليج العربي، الذي تتمظهر طواقمه دائماً بتشكيل ثابت لا يتأثر بأي طارئ قط. وترتيباً على ما تقدم، أودُّ في عجالة التطرق إلى ما يخصّ الأغنية الليبية، وفيما يتعلق بهذا الجانب الفني الذي يرين عليها، ففيها شيء من الأغنيتين، لأن الأغنية الليبية الشعبية ران عليها الطابع الإيقاعي إلى حد بعيد، إذ أنها تؤدى على العديد من الدفوف والطبول، حتى أنك لا تسمع في أغلب الأغنيات الشعبية، نغماً يصدر من آلة وترية، ولو كانت (العود) على أقل تقدير.على أية حال، فإن الفنان يقوم بالأداء الارتجالي على جمل لحنية قديمة من دون أن تصاحبه الآلات سوى الإيقاعات، ومن ثم تعزف الفرقة فاصلاً موسيقياً، يعتمد أساساً على التسريع في وتيرة الإيقاع مصحوباً بالتصفيق الذي أعدّه أيضاً من جملة الإيقاعات.
ومع ذلك نجد الكل، من أعضاء الفرقة والجمهور يصفقون، وهذا مأخذ ثانٍ على هذه الأغنية، يجعلها هو الآخر تشبه كثيراً الأغنية الخليجية. غير أنّ ما يجعل الأغنية الليبية شبيهة بالأغنية الخليجية أيضا، كونها تعتمد في أحيان كثيرة على إيقاع شعبي رتيب، لا يتغير منذ أن يعلن قائد الفرقة عن بداية الأغنية إلى خاتمتها، بحركتين خاطفتين ومشتجرتين بكلتا يديه.
وأنا كمستمع أُشاطره هذا السؤال، وأحيله من جديد إلى الملحنين، ومضيفاً "هذا صحيح، لماذا لا يتفاعل الإيقاع مع الجملة الموسيقية، حين انتقالها من مقام إلى آخر؟ لأنّ الإيقاع في حالته الأولى يبطل مفعوله ويصبح مجرد أداة لا وظيفة لها في الغناء".
أضف الى مفضلتك
تعليقات
إرسال تعليق