قراءة في صوت الفنان عادل عبد المجيد


كما توجد الأُغنية ُالعاطفيةُ، فثمة الأغنية الإنسانية أيضاً، باختلاف ضروبها ومشاربها، فالبعضُ منَّا، لا يعي بأنَّ الأغنية َالوطنيةَ، تعدُّ في واقع الأمرِ، من ضمنِ مضامين الأغنيةِ الإنسانيةِ، شأنُها في ذلك، شأنُ الأغنياتِ الاجتماعيةِ كذلك، وللأغنيةِ الإنسانيةِ، فنانون عرب كبار قدموها في أبهى شكلٍ ومضمونٍ، وأفنوا أعمارَهم الفنيةِ في إيصال ِمضامينها إلى المتلقين على امتدادِ رقعةِ الوطن العربي الكبيرِ، وليس على سبيلِ الحصرِ، بل المثال، أذكرُ لكم منهم: الشيخ إمام، وإيلي شويري، ومارسيل خليفة، وغيرهم كثيرون. وإذا ما بحثنا عن السَّرَّ الكامن ِخلف نجاحِ كُلَّ واحدٍ منهم، في أداءِ هذا النمطِ الغنائي، سنلفيه عائداً إلى امتلاكِه لصوتٍ جميلٍ، وإلى حُسنِ إحساسِه بالكلمةِ وانصهاره في اللحنِ، فمثلُ هذا اللون ِالغنائيِّ، لا يستلزمُ بالضرورة ِمن المؤدي، بأنْ يكون له صوت جهوريٌّ وقويٌّ كصوتِ الرَّاحلِ فهد بلان مثلاً، بل فضلا ًعمَّا ذكرتُ، شعوره بالقضية التي يتغنى بها وتبنيه لها قبل كُلِّ شيءٍ آخرٍ. والمسألة أولاً وآخراً، تقوم على صوتٍ مُعبِّرٍ، وذي إحساسٍ عالٍ، يجعل المتلقي يشعرُ بصدقِ مُترنِمه، إلى حدِّ الانجذاب إلى الموضوع نفسه، من خلال ِالأداء ِالمُفعَمِ بالمشاعرِ والمعاني الإنسانيةِ غير المُزيَّفةِ ولا المُفتعَلة، وكذلك الأداء، الذي يختلفُ عن الإلقاءِ المُجرَّد من الإحساس ِالصَّادقِ، الذي يجمعُ النَّاسَ من حوله، ويجعلُ الجميعَ، يتبنون القضية َعينها، التي يدورُ حولها موضوعُ العملِ، وعن قناعةٍ. وجُملة ُهذه المقاسات ِالفنيةِ، التي يتسمُ بها، ويتطلبُها هذا اللونُ الغنائيُّ القائمُ بذاتِه، تتوافرُ إلى حدٍّ كبير ٍفي صوتٍ من أصواتِنا المحليةِ، التي تركت بصمة ً في رصيدِ وتاريخ ِالأغنيةِ الليبيةِ الحديثةِ، وأعني في هذا المقام ِمن هذا المقالِ، صوتَ الفنَّان عادل عبد المجيد الذي تغنى بهكذا مشاعر إنسانية، وهيّ َعلى الرّغم ِمن قلتها، إلا أنها تركت في ذائقةِ المُتلَقي انطباعاتٍ رائعةً وذكرياتٍ خالدةً، لا مجال لتعدادِها، ومن هذه الأُغنياتِ، أستشهدُ بعملٍ جميلٍ له، بعنوان "يا سلام ع النسمة"، نسج وطرّز قـُماشةَ كلماتِه الحريريةِ، شاعرُنا الرقيق فرج المذبل الذي أجده يقفُ بكلماتِه وراء كُلِّ عملٍ جميلٍ، ولحَّنه صاحبُ الجُّملةِ اللحنيةِ الأنيقةِ، الفنَّانُ المُلحِّن عبد الحميد شادي. يقول عادل عبد المجيد في مطلعه، بعد مُقدِّمةٍ موسيقيةٍ رشيقةٍ:
يا سلام ع النسمة ** لما اتكون مليانة حُبيا سلام ع البسمة ** لما اتكون نابعة م القلب
فلدى استماعك إلى هذه الأُغنيةِ، من بدايتِها إلى نهايتِها، لا تجدُ مُتسعاً لملل ٍولا للسأمٍ، يُحاصرانك أبداً، فهي أغنيةٌ خفيفةُ الظّلِّ، لكنها باقيةُ الأثرِ والصَّدى، كما أنها ثقيلةُ الوقع على المشاعر والأحاسيس، ذلك أنها لا تُخاطبُ الغرائزَ ولا العواطفَ ولا الجسدَ، بل العقلَ والقلبَ معاً، هذا ما تتحسَّسه لحظة استماعِك إليها، فبمجرد أنْ تنصت لها صُدفةً، نعم صُدفةً، إذ تصادف وقتُ إذاعتها مرة ًمع وجودِك في البيتِ، وأنت تستمعُ إلى المذياعِ، ذلك أنك لو بحثت عنها في محالِ بيعِ الأشرطةِ، فسوف لن تجدَ لها أثراً، لكأنها ذرةُ ملحٍ وقد ذابت في ماءٍ مُنسكبٍ، مهما مشّطت أرصفة َالطُّرقات وعدّدت هذه المحالَ المُنتشِرةِ في شوارع ِمدينتنا العامرةِ بها. على أيةِ حالٍ، ستشعرُ أثناء وبعد هذه الصُّدفةِ، بأنَّ كلماتِها وترنيماتِها عالقة ُ ُبذهنك، وواقفةٌ على طرفِ لسانِك، لذا تـُدندنُ بها، من حيث لا تشعرُ، لما ذكرته لكم قبلاً، أي لعمق ِالكلمةِ، ولأهميةِ الموضوعِ، الذي يحتوي كلماتِها ومفرداتِها، وللإحساسِ الرفيعِ النابع من حنجرةِ هذا الفنَّان الرنَّانة، واندغامِه مع الكلمةِ واللحنِ، من دون أقلِّ ابتذالِ. كُلُّ هذه العواملِ، ويأتي على رأسِها، التعبيرُ المُقنع، من شأنها أنْ تتركَ لدى المُتلقي، انطباعا ًجيداً؛ وربما يُعزى تمكنه من هذا الأداءِ إلى كونه موسيقياً بالأساس وعازفاً على آلة "التشيلو" فهذه ميزةٌ جيدةٌ، وقتما يتصفُّ بها المُغني، فهو بهذه الخاصيةِ يتلاقى عند نقطةٍ واحدةٍ، مع الفنَّانِ الرَّاحلِ عبد الحليم حافظ الذي عُرِف عنه قبل ولوجه إلى عالمِ الغِناءِ، بأنه عازفٌ ماهرٌ على آلة "الأبوه" وهيَّ آلة نفخيَّة، وهذا ما ولـَّد لدى الاثنين، هذا الإحساس الفريد من نوعه، الذي عُرِفا به.ولهذا الفنَّانُ عمل آخر، أعتبره من جهتي، أروع وأعزَّ ما نمتلك من أعمالٍ فنيةٍ في مكتبتنا الإذاعية، ذات العشرين ألف أغنية محفوظة، كما علمت بطريقتي الخاصة، وينبغي علينا، حينما نبتغي، أن نُعرِّفَ بالأغنيةِ الليبيةِ في المحافلِ الفنيةِ العربيةِ، أنْ نجعلَ من هذه الأغنيةِ الواجهة َالمُنيرةَ، التي تعكسُ صورةَ أغنيتنا على الآخرين، وأنْ نجعلَ من هذا الفنَّان الوجهَ المُشرِق والمُشرِّف لنا، والمرآة التي لنرى فيها أنفسنا قبل أن يرانا هؤلاء، فنزداد ثقة بأعمالنا، ونعرف بأننا لسنا أقل شأن منهم، إذا عرفنا كيف نختار الأعمال، التي تترك لدى الآخرين انطباعاً حسناً عن فنناً. وأي رأيي ثانٍ، يُخالفُ ما أقوله، ألفيه عبثياً، وغير وجيه إطلاقاً، أنا لست منغلقا على نفسي ولا ممن لا يؤمنون برأي الآخر، حينما أسوق لكم هذه الرؤية، فالسبب الذي يجعلني أحكم بهذا الرأي المسبق، ناتج عن التجربة التي مضينا عليها قبلاً من دون طائل، عند اختيارنا لأعمال ساذجة لا تجعل الأغنية الليبية تقف في مكانها الطبيعي بين أخواتها العربيات وعلى قدم المساواة، بل في آخر الصف تقريباً. ولعلَّكم تتحرقون شوقاً لمعرفة هذه الأغنية، التي قدّمت لها بكل هذا التقديم المستفيض، فهي التي يقول فيها:
ورد الجناين والزهر والحنّة ** والفل ياما خبّروني عنّه
ولكوني أعرف بأنَّ الكتابةَ العلميةَ، هي التي يتحرى فيها الكاتبُ المصداقيةَ في كُل ما يعرض له من التفاصيل والمعلومات والأسماء، التي يوردها في نصِّه، فإنني أعتذرُ من كاتب هذا العمل وملحنه، لكوني لست أعرف من هما، مع إنني أّرجح بأنْ يكون هو الآخر من كلمات الشاعر فرج المذبل، ومن ألحان الفنان عادل عبد المجيد، وأترك الباب مشرعاً، عبر هذا المنبر لمن يعرف من يكونان، كي يفيدنا بهذه المعلومة الثمينة التي عدمت وسيلة، من خلالها أصل إليها، لعدم وجود الأشرطة كما أسلفت، و إن وجدت فسوف لن ترى عليها أيَّ حرفٍ يوضح لك هذه المعلومات.عموماً فإنَّ ما يجعلني أنسبُ اللحن إلى هذا الفنان، راجع إلى أنَّ هناك لحناً آخر له، متأكد من نسبه إليه، وقد قدَّمه للفنانة سلوى الجزائرية، وكانت إذاعتـُنا تذيعُه من حينٍ إلى آخر، تظهرُ فيه هذه الفنَّانة ُمع ابنتها، وهي تُخاطبها بهذه الكلمات:
يا معنى نعجز في شرحه ** أنتي عندي كل الفرحة
وأنا بدوري أعلن عن عجزي الشَّديد عن شرح إعجابي بصوت وأداء هذا الفنان، وعن عجز الجهات المسؤولة في تفسير سبب عدم توفر أعماله في السوق.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الإنشاد الصوفي

محمود الشريف .. ربيع الأغنية الليبية الاجتماعية

عبد السلام زقلام .. شاعر من زمن الحبّ والطيبة