يوسف العالم .. موسيقار بأصول التلحين عالم


نادِ من اليوم إلى الغدِ، لن يأتيك من ندائك سوى صداه، فأنت تنادي على من هو بعيدٌ عنك.هذا ما أراد قوله الموسيقار الراحل فريد الأطرش في أغنيته "بنادي عليك" التي ألفها الزجال الغنائي مأمون الشناوي.فهو في تلحينه لمطلع هذه الأغنية، لم يتصرف كما الملحن السطحي مع النص الشعري، حينما يلحن "اللفظة" من دون أنْ يدرك مغزاها.فالفنان فريد الأطرش قام بتلحين "المعنى" مُظهـِراً عبقرية ووعي الملحن الضليع، ذي المخيال الشاسع وصاحب الأفق البعيد، حتى في توظيفه لأصوات "الكورال" التي جعل منها، كأنها مجرد صدى لصوته، حينما تردُ على ترديداته ونداءاته البعيدة الوجهة، بالنبرة نفسها.وهذا ما نستشفه من الموسيقار الراحل كمال الطويل في تلحينه لأغنية "جواب" وهي من شعر مرسي جميل عزيز للفنان عبد الحليم حافظ وهو يقرأ كلمات الأغنية في رسالته، مُسمِعاً المتلقي خربشات القلم على ورقة المكتوب، محاولاً أنْ يجعله يعايش هذه اللحظات بهذا المؤثر الصوتي.فهذا الأسلوب من التلحين، يجعل من العمل الغنائي متكامل الصوت والصورة لا "المرئية" وإنما "الخيالية" من خلال الانطباع الذي يضعه الملحن في ذهنية المستقبل له، فيحفظ الأغنية من الزوال والاندثار من حيث الحضور الجماهيري، حتى إنْ لم توثق بالتدوين بواسطة العدسة المرئية.ولا أنكر ما للشاشة الصغيرة من دور فعال في إشهار وشهرة الأغنية، لكني لست ممن يرونها معياراً ذا فعالية قصوى لإنجاحها.فالمحك الحقيقي ـ برأيي ـ لتبيان نجاح أو فشل أية أغنية، هو الاستماع إليها عبر المذياع "الراديو".فقد كان من الملحنين السابقين زمن الغناء الجميل، أن وضعوا في تصوراتهم اللحنية، ضرورة صياغة الجملة الموسيقية، التي تصور معنى الأغنية ـ بكل حمولتها من محاسن بديعية ـ للمستمع بطريقة تدلُ على أن الواحد منهم، كان يعمل عمل الفنان الشامل، الذي يموسق ويرسم الكلمة ويصور معناها برشة عوده وبألوان أوتاره، فيخرج الأغنية في شكل لوحة فنية، ألوانها تعدُد مقاماتها ورسومها الجمل الموسيقية، التي يضعها في اللحن، لتنطبع لوحته "أغنيته المصورة تلحيناً" في أذهان المستمعين، مضفياً على عمله، متعةً بصرية وعقلية، علاوةً على المتعة السمعية، التي يُفترض أنْ يجود بها، ببرهان أنه على الرغم من قِدم هذه الأغنيات، التي جئت على ذكر اثنتين منها في صدر مقالتي هذه، إلا أنها ما تزال تنبض بالحيوية في نبض الذاكرة العربية، حتى قبل أنْ يقوم مغنياهما فيما بعد، بحفظهما هما وأغنيات أخريات، بواسطة أشرطة الخيالة، بعد أنْ بثتا عبر أثير وذبذبات المحطات المسموعة الخارقة للحدود الجغرافية الوهمية، ردحاً طويلاً من الزمن.وهذه المدرسة اللحنية، عرفتها الأغنية العربية في "مصر" وقد عرفتها أقطار عربية أخرى.فبعد أنْ دشن مدرسة الحداثة اللحنية في "ليبيا" فتح الموسيقار يوسف العالم فصلاً متقدماً فيها، فقد عُرف عنه، أنه صاحب الفضل بالفعل على الأغنية الليبية، إذ أنه كان أول مُحدِث في هيكلة بنيانها، بالألحان الجميلة، غير أنه يتباين مع الفنانين فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ من حيث تحول أعماله إلى تراث.بيد أن له عملاً غنائياً من ألحانه لم يصور مرئياً بعد، مع أنه، قد مرَّ عمرٌ طويل على أوان تسجيله، ومع ذلك، فهو ما يزال يسكن في خلايا الذاكرة وتجاويفها الغائرة العمق، وفي خُلجان خلجات النفس وتضاريسها، التي لم تـُصب بعد، بعوامل التعرية التي أحدثتها الأغنية في هذا الزمن على الذائقة الاستماعية لدى عدد كبير من المستمعين.فأنت حينما تنصت إلى هذه الأغنية، من خلال كلمات كاتبها الشاعر الراحل عاشور عبد العزيز بصوت المطرب عادل عبد المجيد حينما يدندنها بهذا الإحساس الرفيع:ورد الجناين والزهر والحنةوالفل ياما خبروني عنه…قالي الزهر موالكعايش مع الغالي اللي في بالكغير شوف شغلك وانتبه لأعمالكوبيديك صورها بلادك جنة…والفل في الصبحيةميل عليا وقال جد اشويةوكنك علي صابك سواد اصبية يرجاك مهما طال بعدك عنه..
تشعر بأنك بحقٍ وسط خميلة جميلة، غناء بالغناء، الذي يجيء على شاكلة الأغنية المُعدَة سلفاً كمشروع فني مُعمر لزمن بعيد، من فنان شامل، وليس ملحناً فحسب، فهو يفسر الكلمة أولاً، بعد أنْ يحفظها ويرددها بينه وبين نفسه عديد المرات، حتى تتمكن منه، وتفرض عليه أجواءها، فيلحن معناها ويرسم صورها ويخرجها للمستمع لتداعب مشاعره.فيراها الأخير بأذنيه - من ثم - شاخصة قـُبالة ناظريه، بل يتحسسها بقبضة خياله، فإذا كنت جالساً في حديقة بهذا الجمال المرئي، الماثلة في الصور الشعرية، التي وضعها الشاعر الرقيق عاشور عبد العزيز - الذي تعامل مع ملحننا الكبير يوسف العالم في أكثر من عمل ـ فليس من المستبعد، أنْ يتناهى إلى سمعك زقزقة العصافير وتغاريد البلابل من خلال صوت عذب يشدو بموسيقا صوتية ومرئية، كما هو الفنان عادل عبد المجيد دوماً في أنغامه، وكما هو يؤدي هذه الأغنية بكل سلاسة لحنية وانسيابية شعرية، وبأنجع مقياس بتصوري يُحتكم إليه، لمعرفة الأغنية الناجحة من الهابطة، أي من دون تأثير التصوير المرئي التقني، بل بتصوير المعنى من خلال اللحن.فيا ليت هذه المدرسة اللحنية تفتح أبوابها من جديد، بعد أنْ غزتنا الجملة اللحنية الإيقاعية الصاخبة، التي تبعد عن الإحساس والطرب الشعوري لا الجسدي، فهي الأقرب إلى الأخير من أي طرب آخر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الإنشاد الصوفي

محمود الشريف .. ربيع الأغنية الليبية الاجتماعية

عبد السلام زقلام .. شاعر من زمن الحبّ والطيبة