اصالة.. صوت فاق قدرات الملحنين
![]() |
| آصالة نصري |
لقد كان لنا في ليبيا سابقُ معرفةٍ، بصوتِ الفنَّانةِ السُّوريةِ الشَّابةِ أصالة نصري وتحديداً - في المنتصفِ الثاني من ثمانينيات القرن السابق، أي مُذ كانت صغيرة، وذلك من خلال زيارتِها الأولى إلى بلادِنا، برفقةِ وفدِ فنيٍّ سوريٍّ كبيرٍ، كان في طليعتِه، والدُها الفنَّانُ الراحلُ مصطفى نصري الذي طالما أبكّته في اللقاءات المُجراة معها، وآنذاك كان صوتها في مراحل تكوينه الأولى، غير أنَّ خامة هذا الصوت، تركت فينا انطباعاً، أنبأ بظهور موهبة غنائية حقيقية، بعد أنْ استمعنا إليها، وهي تتغنى بعمل وطني أنشدت فيه هذه الكلمات الليبية :
لو في الدنيا كلمة أحلى.. من كلمة أمي أنا جيتك
ما يكفيش انقول حبيبة.. أنا محتاجة كلمة أحلى.. وأكبر من كلمة حبّيتك.
فصوت هذه الفنانة، ذو خامة قوية قابلة لأنْ تتشكل وتُطوَّع كيفما يُراد لها من خلال الألحان المُقاسة على حجم صوتها، وبعد أنْ تمرست في الغناء، شيئاً فشيئاً، واكتسب صوتها أبعاداً أدائية جديدة، نتيجة التعامل مع عدد من الملحنين في سوريا وليبيا انتقلت بعدئذٍ إلى مصر وكانت على موعد هناك مع أكبر مُلحنين مُتبقيين من زمن الغناء العربي الجميل، هما محمد الموجي الذي صاغ لها لحناً من أجمل ما يكون، وهو لحن أغنية "سامحتك" كما قام الملحن سيد مكاوي بتلحين عملٍ آخرٍ لها، بعنوان "لو تعرفوا" فوضعاها بهاتين الأغنيتين على قاعدة صلبة في أول مرحلتها الغنائية الجديدة، إذ أنها انطلقت بهما، انطلاقة قوية، وهي المبتدئة وحديثة العهد في هذا الاتجاه (الاحتراف) ذلك أنَّ هذين العملين، جاءا على مقاس صوتها الكبير في قدراته، وكانا في ذلك الحين، بمثابة إحياءٍ للأغنيةِ العربية الأصيلة، التي دأب على تقديمها هذان المُلحِّنان مع كبار المطربين والمطربات العرب، في العقود الأربعة الأخيرة، التي سبقت فترة ظهور صوت هذه المطربة الرائع إلى حيز الوجود، كما كانا بمنزلة استنهاضٍ للأغنيةِ المُلتزِمة من سُباتها العميق، الذي مضت عليه لوقت طويل.
فبعد أنْ عانت الساحة الغنائية العربية من فقر مُدقع، في كمِّ وجودة الأصوات الحسنة والمتمكنة، التي تتقن أداء الغناء العربي الصَّحيح، بعد رحيل بعض المُطرِّبات الكبيرات عن الوجود، واعتزال البعض الآخر منهن، وذلك في المنتصف الأول من العقد الأسبق، فكان ظهور هذه الخامة الصوتية النفيسة، كبارقةِ أملٍ أضاءت في سماء الأغنية العربية جمعاء، إلا أنَّ هذه الفرحة لم تكتمل، ولم تدُم طويلاً، إثر رحيل أخر مُلحنين من زمن الغناء الجميل، وأول من وقف إلى جانب هذه المطربة وآزرها، فتركاها وحيدةً، وسط زحمة وغابة الملحنين، بعد أنْ تبناها لفترة وجيزة، أسفرت عن صدور العملين المذكورين فقط، ما كان داعياً إلى أن تحذو الفنانة أصالة حذوها في اتجاهٍ آخرٍ، وتنخرط في التعامل مع مُلحِّنين آخرين، تعدَّدت أسماؤهم، وقلّت مستوياتهم عن الملحنين الراحلين، اللذين منحا صوتها عملين رائعين سيبقيان دائماً في ذاكرة المستمعين، وليؤكدا على قدرة صوت هذه الفنانة على تقديم العمل الغنائي الرفيع القدر، إذا ما توافر لها اللحن، الذي يرقى إلى جمال صوتها وطبقاته المتعددة.
فقد كان من المفترض طبيعياً بهذا الصوت، أنْ يغني على لحنٍ يأتي في مستوى اللحنين الأولين على أقل تقدير، لكن ذلك لم يحدث، باستثناء الألحان التي أعدَّها لها المُلحِّن حلمي بكر لكونه بتصوري من التابعين للجيل الأول، أما ما عدا ذلك من ألحان، نجمت عن مرحلة تعاون هذا الصوت المتمكن مع ملحنين آخرين، فأجدها كانت أضأل مقدرة من أداء وإحساس الفنانة أصالة أي على غير المُرتجى، لكونها لم ترتقٍ إلى مستوى النغمين، اللذين بدأت بهما مسيرتها في اتجاه الاحتراف، وهذا الأمر يعكس خلل كبير في التلحين، الذي تعيشه الساحة الغنائية العربية في الآونة الأخيرة.
فلو قــُدِر لهذا الصوت أنْ يمضي في الاتجاه الصحيح الذي يستحقه، لكان قد أبرز إمكانيات جليلة يحوزها، لكن ما العمل ؟ فهذا الأداء الرائع، الذي تـُعرف به الفنَّانة الشَّابة أصالة ظهر في غير أوانه، وهنا لا نرمي من قولنا، أنها قد تأخرت في سعيها إلى الاحتراف، لا فكُلُّ ما عنيناه، هو أنها قد خرجت في فترة تردي وانحطاط الغناء العربي، وخصوصاً في مجال التلحين، بعد أنْ كنا قد عانينا من مسألة تدهورٍ في الأصوات، في فترة سابقة، أشرنا إليها في بدء هذا المقال، فالظروفُ هي التي، لم تواتِها، لكونها لم تـُعايش رموز التلحين العربي الأفذاذ، وإنْ أدركت أخر جوهرتين انفرطتا من بقايا ذلك العقد الفني الفريد، في أواخر أيام حياتهما، الأمر الذي من شأنه، أنْ دفع بهذه القامة الصوتية المهيبة فيما بعد، إلى أداء الأغنية الخليجية ذات المقام الخماسي، الذي لا ينتمي أصلاً إلى الموسيقا العربية لا من قريب ولا من بعيد في أغلبه، هذا الغناء، الذي مهما تجمّل في آذان المتلقين، فهو بذائقتي، لن يرتقي البتة إلى مصاف ومستوى القدرة والحرفية الفائقة التي تكتسي هذا الصوت.
فمثل هذا الغناء لن يزيد صوتها شيئاُ ذي قيمة فنية، ولا أتزيَّدُ (أبالغ) إن قلت: إنَّ العكسَ صحيحٌ، حيث إنّ هذه الفنَّانة بصوتها وأدائها، هي من أضافت إلى الأغنية الخليجية، الشيء الكثير، فقد أكسبتها البهاء والقبول لدى المستمع العربي، وذلك من خلال أغنيات كثيرة، أذكر منها مثلاً: أغنية "ليه الغرور والكبرياء" فأداؤها لهذا العمل، كان مُغايراً لطريقة الغناء هناك، مع أنَّ اللحن كان من الألحان، التي عُرِفت بها هذه الأغنية، فأدت العمل بأسلوب لم يعهده المستمع العربي على هذا الغناء إطلاقاً، وهنا أودُّ أنْ أُذكِّر القارئ، بأنَّ الفنَّان الراحل عبد الحليم حافظ لم يُغنِ سوى أغنية خليجية واحدة، هي أغنية "يا هلي" ليس لكونها خليجية أساساً، لكنها كانت تتوافر على نصيب كبير من الموسيقا العربية ذات النكهة الخليجية من حيث الإيقاع وما يتخلل هذا النمط من الغناء، من تصفيق، ربما يُعزى ذلك، لعدم حاجته إلى هذا الغناء، ولإحاطته بعدد كبير من ملحني جيله، وأحسب بأنّ الفنانة أصالة حين إقدامها على أداء هذا اللون، أرادت أنْ تثبت فقط لمجايلاتها من الفنانات، بأنها تستطيع إتقانه لا غير، مع أنِّ الكم الذي أدّته كان كبيراً جداً.
ولأنني أدرك مواطن الجمال في أداء وأسلوب غناء هذه المطربة، التي سوف لن تخرج إلا بتعاملها مع ملحنين أكفاء، يعرفون كيف ينقبون عن الدُّرر الكامنة في حنجرتها، وفي طبقات صوتها، التي ما فتئت تبرزها لهم في حفلاتها، كي يسعون وراء ذلك، ولكن من دون جدوى حتى الآن، فنحن نفتقد مثل هؤلاء الملحنين، فأغلب من هم موجودون الآن، لا تبلغ مستوياتهم رفعة وقوة هذا الصوت، فالفنانة العربية السورية أصالة هي اسم على مسمى، لكون اسمها، يعني الأصالة والالتزام في الغناء، وصوتها الذي فاق قدرات واستطاعات ملحني اليوم، يُكرس هذه الحقيقة الأكيدة.
لو في الدنيا كلمة أحلى.. من كلمة أمي أنا جيتك
ما يكفيش انقول حبيبة.. أنا محتاجة كلمة أحلى.. وأكبر من كلمة حبّيتك.
فصوت هذه الفنانة، ذو خامة قوية قابلة لأنْ تتشكل وتُطوَّع كيفما يُراد لها من خلال الألحان المُقاسة على حجم صوتها، وبعد أنْ تمرست في الغناء، شيئاً فشيئاً، واكتسب صوتها أبعاداً أدائية جديدة، نتيجة التعامل مع عدد من الملحنين في سوريا وليبيا انتقلت بعدئذٍ إلى مصر وكانت على موعد هناك مع أكبر مُلحنين مُتبقيين من زمن الغناء العربي الجميل، هما محمد الموجي الذي صاغ لها لحناً من أجمل ما يكون، وهو لحن أغنية "سامحتك" كما قام الملحن سيد مكاوي بتلحين عملٍ آخرٍ لها، بعنوان "لو تعرفوا" فوضعاها بهاتين الأغنيتين على قاعدة صلبة في أول مرحلتها الغنائية الجديدة، إذ أنها انطلقت بهما، انطلاقة قوية، وهي المبتدئة وحديثة العهد في هذا الاتجاه (الاحتراف) ذلك أنَّ هذين العملين، جاءا على مقاس صوتها الكبير في قدراته، وكانا في ذلك الحين، بمثابة إحياءٍ للأغنيةِ العربية الأصيلة، التي دأب على تقديمها هذان المُلحِّنان مع كبار المطربين والمطربات العرب، في العقود الأربعة الأخيرة، التي سبقت فترة ظهور صوت هذه المطربة الرائع إلى حيز الوجود، كما كانا بمنزلة استنهاضٍ للأغنيةِ المُلتزِمة من سُباتها العميق، الذي مضت عليه لوقت طويل.
فبعد أنْ عانت الساحة الغنائية العربية من فقر مُدقع، في كمِّ وجودة الأصوات الحسنة والمتمكنة، التي تتقن أداء الغناء العربي الصَّحيح، بعد رحيل بعض المُطرِّبات الكبيرات عن الوجود، واعتزال البعض الآخر منهن، وذلك في المنتصف الأول من العقد الأسبق، فكان ظهور هذه الخامة الصوتية النفيسة، كبارقةِ أملٍ أضاءت في سماء الأغنية العربية جمعاء، إلا أنَّ هذه الفرحة لم تكتمل، ولم تدُم طويلاً، إثر رحيل أخر مُلحنين من زمن الغناء الجميل، وأول من وقف إلى جانب هذه المطربة وآزرها، فتركاها وحيدةً، وسط زحمة وغابة الملحنين، بعد أنْ تبناها لفترة وجيزة، أسفرت عن صدور العملين المذكورين فقط، ما كان داعياً إلى أن تحذو الفنانة أصالة حذوها في اتجاهٍ آخرٍ، وتنخرط في التعامل مع مُلحِّنين آخرين، تعدَّدت أسماؤهم، وقلّت مستوياتهم عن الملحنين الراحلين، اللذين منحا صوتها عملين رائعين سيبقيان دائماً في ذاكرة المستمعين، وليؤكدا على قدرة صوت هذه الفنانة على تقديم العمل الغنائي الرفيع القدر، إذا ما توافر لها اللحن، الذي يرقى إلى جمال صوتها وطبقاته المتعددة.
فقد كان من المفترض طبيعياً بهذا الصوت، أنْ يغني على لحنٍ يأتي في مستوى اللحنين الأولين على أقل تقدير، لكن ذلك لم يحدث، باستثناء الألحان التي أعدَّها لها المُلحِّن حلمي بكر لكونه بتصوري من التابعين للجيل الأول، أما ما عدا ذلك من ألحان، نجمت عن مرحلة تعاون هذا الصوت المتمكن مع ملحنين آخرين، فأجدها كانت أضأل مقدرة من أداء وإحساس الفنانة أصالة أي على غير المُرتجى، لكونها لم ترتقٍ إلى مستوى النغمين، اللذين بدأت بهما مسيرتها في اتجاه الاحتراف، وهذا الأمر يعكس خلل كبير في التلحين، الذي تعيشه الساحة الغنائية العربية في الآونة الأخيرة.
فلو قــُدِر لهذا الصوت أنْ يمضي في الاتجاه الصحيح الذي يستحقه، لكان قد أبرز إمكانيات جليلة يحوزها، لكن ما العمل ؟ فهذا الأداء الرائع، الذي تـُعرف به الفنَّانة الشَّابة أصالة ظهر في غير أوانه، وهنا لا نرمي من قولنا، أنها قد تأخرت في سعيها إلى الاحتراف، لا فكُلُّ ما عنيناه، هو أنها قد خرجت في فترة تردي وانحطاط الغناء العربي، وخصوصاً في مجال التلحين، بعد أنْ كنا قد عانينا من مسألة تدهورٍ في الأصوات، في فترة سابقة، أشرنا إليها في بدء هذا المقال، فالظروفُ هي التي، لم تواتِها، لكونها لم تـُعايش رموز التلحين العربي الأفذاذ، وإنْ أدركت أخر جوهرتين انفرطتا من بقايا ذلك العقد الفني الفريد، في أواخر أيام حياتهما، الأمر الذي من شأنه، أنْ دفع بهذه القامة الصوتية المهيبة فيما بعد، إلى أداء الأغنية الخليجية ذات المقام الخماسي، الذي لا ينتمي أصلاً إلى الموسيقا العربية لا من قريب ولا من بعيد في أغلبه، هذا الغناء، الذي مهما تجمّل في آذان المتلقين، فهو بذائقتي، لن يرتقي البتة إلى مصاف ومستوى القدرة والحرفية الفائقة التي تكتسي هذا الصوت.
فمثل هذا الغناء لن يزيد صوتها شيئاُ ذي قيمة فنية، ولا أتزيَّدُ (أبالغ) إن قلت: إنَّ العكسَ صحيحٌ، حيث إنّ هذه الفنَّانة بصوتها وأدائها، هي من أضافت إلى الأغنية الخليجية، الشيء الكثير، فقد أكسبتها البهاء والقبول لدى المستمع العربي، وذلك من خلال أغنيات كثيرة، أذكر منها مثلاً: أغنية "ليه الغرور والكبرياء" فأداؤها لهذا العمل، كان مُغايراً لطريقة الغناء هناك، مع أنَّ اللحن كان من الألحان، التي عُرِفت بها هذه الأغنية، فأدت العمل بأسلوب لم يعهده المستمع العربي على هذا الغناء إطلاقاً، وهنا أودُّ أنْ أُذكِّر القارئ، بأنَّ الفنَّان الراحل عبد الحليم حافظ لم يُغنِ سوى أغنية خليجية واحدة، هي أغنية "يا هلي" ليس لكونها خليجية أساساً، لكنها كانت تتوافر على نصيب كبير من الموسيقا العربية ذات النكهة الخليجية من حيث الإيقاع وما يتخلل هذا النمط من الغناء، من تصفيق، ربما يُعزى ذلك، لعدم حاجته إلى هذا الغناء، ولإحاطته بعدد كبير من ملحني جيله، وأحسب بأنّ الفنانة أصالة حين إقدامها على أداء هذا اللون، أرادت أنْ تثبت فقط لمجايلاتها من الفنانات، بأنها تستطيع إتقانه لا غير، مع أنِّ الكم الذي أدّته كان كبيراً جداً.
ولأنني أدرك مواطن الجمال في أداء وأسلوب غناء هذه المطربة، التي سوف لن تخرج إلا بتعاملها مع ملحنين أكفاء، يعرفون كيف ينقبون عن الدُّرر الكامنة في حنجرتها، وفي طبقات صوتها، التي ما فتئت تبرزها لهم في حفلاتها، كي يسعون وراء ذلك، ولكن من دون جدوى حتى الآن، فنحن نفتقد مثل هؤلاء الملحنين، فأغلب من هم موجودون الآن، لا تبلغ مستوياتهم رفعة وقوة هذا الصوت، فالفنانة العربية السورية أصالة هي اسم على مسمى، لكون اسمها، يعني الأصالة والالتزام في الغناء، وصوتها الذي فاق قدرات واستطاعات ملحني اليوم، يُكرس هذه الحقيقة الأكيدة.

تعليقات
إرسال تعليق