أرشفة الأغنية الليبية وفقدانها من السوق
يبدو أنه لا مفر من حالة التخبُّط والحيرة التي أمرّ بهما كلما حلا لي الحديث عن الأغنية الليبية القديمة والحديثة، هاتان الحالتان اللتان يعود سببهما الرئيس إلى عدم وجود المرجع الفنّي المُختص لدينا، الذي أعودُ إليه وقتما أشاءُ عند ذكر أسماء الشعراء الغنائيين والملحِّنين، أصحاب الأغنيات التي قد أعرض لها في نصوصي أثناء الحديث عن أيِّ فنّان، حفاظاً على حقوقهم الأدبية والفنية والمعنوية كذلك.
كما أنهما ترجعان إلى التردي والافتقار في كم المعلومات الذي يصطدم به أيُّ كاتب حينما يودُّ الخوض في مسيرة فنانينا القُدامى، أودعونا نصفهم بالأوائل لأنّ أعمالهم ما تزال بسمعي جديدة وستظلُّ على ما هي عليه إلى وقت مديد.
وبرهاني على صحة ما أتفوه به الآن، هو أنني لاحظت في الآونة الأخيرة بأنّ ثمة فئة عريضة من المُستمعين وبالذات من شريحة الشباب، غدت تشعر بالحنين الجارف إلى الأعمال الغنائية الخالدة لهؤلاء.
والأمر الذي يجعلني أتريث بل أتردّد قبل أن أهمَّ إلى الكتابة في هذا النمط الفنّي، هو درء أيِّ لبس أو خطأ معلوماتي ربما أجدني واقعاً في مطبّه، لو أنني لم أتحرَّ الدقة وأتوخ الحيطة في سرد الأسماء والمعلومة السليمة.
لذا أجدني دوماً بين نارين: أولاهما رغبتي المُلحِّة والشديدة في الكتابة، والثانية أشدُّ لهيباً واشتعالاً من الأولى وهي خشيتي -كما أخبرتكم آنفاً- من الوقوع في خطأ فادح أو طفيف قد يجعلاني أرتكب حماقة تجرُّ على هذه الصحيفة تبعات لا قِبل لها بها ولا تُحتملُ عواقبها الوخيمة، فثمة من يصطاد في الماء الآسن العكر، ولا يحاول أنْ يلتمس العذر للكاتب ولا للناشر في مثل هذه الحالة مع أنه هو الأدرى بصعوبة مهمة الكاتب.
نظراً لهذا الافتقار المعلوماتي الفني المُدقع الذي نعيشه، فالكتابة عن الأغنية الليبية حالة "شاذة" ومستعصية جداً، فهي ليست بالأمر الهيّن كما قد يُخيَّل إلى البعض للأسباب التي أوردتها قبلاً، ناهيك عن عدم وجود الكتاب "الأكاديمي" المعني بها، الذي يعرفُ من خلاله المُتلقي المقام الموسيقي الذي تقوم عليه أية أغنية.
وحاول بنفسك أنْ تمضي إلى أية مكتبة عامةً كانت أو خاصةً أو حتى أنْ تقف عند الباعة من مفترشي أرصفة الطرقات لتقتني كتاباً واحداً يهتم بهذا الشأن وتجد فيه ضالتك المفقودة.
فإذا حدث وبادرت إلى ذلك، فسوف لن تلفي وتلقى حتى "كشكولاً صغيراً" فيه ما قصدت، لكن عليك ألا تتفاجأ لو وجدت كتيبات من هذه العينة المبثوثة في هذه الأماكن التي تتعلق بحياة المستغنين من الغناء.
لكني لن أتفاجأ لو تفاجأتَ حالما تعرف بأنّ هذه الكُتيبات تعرضُ لأعمال هؤلاء الذين يدّعون الغناء وتتحدث عن أعمالهم التي لا تسوى أية قيمة فنية، وسرُّ المفاجأة يكمنُ في أنهم ما يزالون على قيد الحياة ولم يعتزلوا بعد ما يقدّمونه من تهريج وأداء هجين.
وعلى الرغم من ذلك، تجد أنّ الناشر قد ضمّ ضمن هذه الكُتيبات التي أعدُّها من الكتب الصفراء بعضاً من أعمالهم وهم في سن الشباب، ما يعني أنه سيكون لكل واحد منهم أكثر من كتاب مستقبلاً، وهذا لعمري أمر "غريب" ومثار للدهشة، لأنّ ما كان يتبّعُ سالفاً في نشر هكذا كتب إبان جيل العمالقة يختلف كل الاختلاف عمَّا هو سائدُ ُ تواً.
فكبار الفنانين، لم تتجرأ أية دار نشر على إصدار أي كتب تتعلق بفنهم إلا بعد رحيلهم عن دنيانا، لأنّ غير ذلك لا يجوز حتى أخلاقياً، فكيف تنهي عمر الفنّان بأنْ تختار عينة من أغانيه، وتضعها في كتاب له صفحة بداية ونهاية وهو الذي ما يزال في قمة عطائه.
على أية حال، فبعد رحيلهم صدرت عنهم بعض الكتب التي تضم نبذة مختصرة عن سيرتهم الذاتية ومسيرتهم الفنية وكذلك المجموعة الكاملة لأعمالهم المحفوظة، ومن ذلك كتاب الموسيقار الراحل فريد الأطرش المُرفَق بصوره وكلمات كل أغنية مع اسم كاتبها في صفحة تقابلها صفحة أخرى فيها النوتة الموسيقية للعمل ذاته كي يعرفَ هواة الشعر الغنائي، كيف ينظمون شعرهم ويلعبون بالتشطيرات والتفعيلات ويبتكرون غيرها.
وبالمثل يجد العازفون كتاباً يقرأون منه الألحان الخالدة ذات الصبغة اللحنية العربية الأصيلة ويتتلمذون على تعلمها بالعزف ويرجعون إليه عند الضرورات.
من هنا، أتوجه إلى إذاعة الجماهيرية العظمى من دون غيرها من مؤسسات عامة بطلب إزاحة الغبار عن كاهل الأشرطة التي على أرفف محفوظاتها وبحوزتها وتقوم بتلميعها عندما تطرحها في السوق، لكونها المصدر الأوحد لها في بلادنا، ولا من جهة أخرى تمتلك هذه المحفوظات والدُرر السمعية والصوتية.
وأني لأراهن على أنها ستنفذ في وقت سريع وقياسي من المحال والأسواق، على الرغم من انقضاء زمن بعيد على تسجيلاتها، وذلك بتشكيل لجان مختصة تشرف على هذا الأمر، فإنْ لم تستطع، فعليها أنْ تطبع كتيبات صغيرة فيها معلومات وافية وكافية عن أغنيات كل فنان كلمةً ولحناً.
فإنْ لم تستطع، فيجب عليها إذ ذاك أنْ تخصص برنامجاً يبث أسبوعياً على أقل تقدير تُعرض من خلاله أعمال كل فنان، ليتسنى للمتلقي تسجيلها وحفظها، حفاظاً على ذكراهم وذلك أضعف الإيمان، كما كان يفعل الإذاعي الراحل عبد الله عبد المحسن في برنامجه المسموع المباشر "نوافذ على الهواء" شريطة أنْ يستمرَ البرنامج ولا يتوقف أبداً، ثم لماذا يتوقف طالما أنَّ المادة المُقدَمة متوافرة ؟ لست أدري.
تعليقات
إرسال تعليق