مراجعة في المنجز الغنائي للفنان أحمد فكرون

بدأ الفنّان أحمد فكرون مشواره الفني الفعلي في 1975 بألبومه الأول الذي تعنون باسم أولى أغنياته "أوعدني" في إحدى العواصم الأوروبية، ومنذ ذلك الحين وبإجراء عملية حسابية يسيرة، سنتبيّن أنّ عمره الفنّي، قد وصل إلى عامه الرابع والثلاثين.وأخيراً، ومنذ ما يناهز الخمس سنوات، اتحفنا وشنّف أسماعنا بشريط "عيون سالمة" الذي حمل اسم إحدى أغانيه، التي كتبها شاعر اللهجة المحكية الصيد الرقيعي التي يقول في بعض مقاطعها :في الحزن.. في ارعود الشتا وابروقهونشتاق لصمت عيونها.في الياس.. وأوصال الأمل محروقةوتصعب دموع عيونها.على جبين غيمة عاشقةفي خيال ليلة بارقةفاحضان نجمة امفارقةفاحزان مركب غارقة.فكرة وشمعة ساهرة محتارةوأحلام نخلة شامخة جبارةشباك معبد شاحبات أنوارهعنقود موجة عاتية مغيارة. وبعد الفضا وحيرته وتحييره.. عيون سالمة تخفيهوإجلال البحر ورهبته وهديره.. عيون سالمة تجاريه.عليها أبراج امحصنة وعنيدةوتطلع سنابل واعدة وجديدةوتقصد اشطوط املونة وبعيدة.وقد احتوت هذه الأشرطة الستة -فضلاً عن بعض المقطوعات الموسيقية- من الأغنيات، ما مجموعه 56 أغنية، بحسب ما أحسبُ، لأنّ ثمة أغنيات أخريات، لم يُعِد الفنان فكّرون طرحها بعد نفادها من السوق، ولست أذكرها.والمقـِّل من الفنانين، إذ يصبح جليس الظل راكناً إلى الراحة وبعيداً عن جمهوره، غالباً ما تنصرف عنه الأسماع ولا تعود تتـّذكره ولا تذكره إلا في حديث الذكريات، وإنْ كان يحوز ملكات ومقومات المغني المتمكن.وهذا ما جعلني أصل إلى رأي لا يصل إلى التأصيل والتنظير الفني، فبعد دراسة مستفيضة في المنتج الغنائي لكبار الفنانين العرب، وجدت بالمصادفة السمعية أنّ أغلبهم، كان يصدر في الغالب الأعم عشرين أغنية سنوياً، لا أكثر ولا أقل من ذلك .وليس أدل على ذلك من أنّ غربان الملاهي الليلية حاضرة أسماؤهم لدى المشاهد والمستمع أكثر من أي مبدع حقيقي، لكنّ الناس تنصرف عنهم إذا شاءت التطريب وسل عقلك من هي حاضرة اليوم أكثر لدى الناس وخصوصاً من الجيل الجديد، هل هي هيفاء وهبي أم السيدة فيروز؟وحقيقة لست أعي ما سبب حنق من له صلة بالأغنية العربية وكذلك من العامة، من غزو الموجة الهابطة أو الساقطة للأسواق واكتساحها عالم الأغنية؟ ألا يكفيهم ما تركه الرواد الأولون من فنون غنائية متنوعة، فإذا حسبنا بطريقة عشوائية، ما أورثه لنا عشرة من الفنانين الفطاحلة، سنجد أنّ بحوزتنا ما لا يقلُّ عن خمسة آلاف أغنية، أجدها كافية لصدِّ هذا الزحف الهمجي، لما تضخه هذه القنوات من سموم وتخريب للذوق العام، وما ينتجه أغلب مطربي هذا الزمن من موسيقى، هي الأقرب إلى فنون الشعوذة التي لا يفلح مبتدعها، وتتبخر وتتطاير على نحو أسرع من أي مائع سائل، بفعل النار . إلا أنّ أعمال فكرون وعلى الرغم من قلتها، ما تزال إلى الآن حاضرة في وجدان المتلقي، ذلك أنه قد وضع في حُسبانه من البداية، ضرورة أنْ يُقدَّم العمل الغنائي، الذي يمتلك من مقومات البقاء والاستمرارية، ما يجعله يصمد في وجه التقادم وذلك باختياره اللحن الحميل والكلمة المُعبِّرة والتوزيع الموسيقي الذكي، وهذا ما أحسُّ به كلما أنصتُ إلى أعماله، فأشعر بأنها صدرت حديثاً، على الرغم من تكرار استماعي إليها طيلة الفترة التي تلت إصدارها.وهذا ما تيقنت به من خلال استماعي إلى أعماله الأخيرة التي لم يضمها شريط بعد، لكني أنصت إليها بشكل مفرد، مثل أغنية "موش كفاية" و"سلفني القمر" و"يا صاحبي" و"النورس"، فما يزال شعار التميُّز والجدِّ والتجديد في كلماته وألحانه وصوته وأدائه خفاقاً وعالياً مثلما علا صوته في لحظات الجواب الصوتي الذي عرفته به، وكعهدي به وهو في أوج شبابه.
تعليقات
إرسال تعليق