محمد صدقي .. الحنجرة الأم للغناء الليبي الحديث


لقد كان الرائن على الأغنية الليبية، حتى النصف الثاني من منتصف خمسينيات القرن المنصرم، الطابع الشعبي بتنوع ألوانه، نتيجة لاتساع الرقعة الجغرافية لبلادنا، واختلاف أقاليمها الساحلية والجبلية والصحراوية وتشابهها، فطال زمن هيمنة الغناء الشعبي في بلادنا لفترة طويلة، على النقيض من بعض الأقطار العربية الأخرى، التي نجح فنانوها الروّاد في النهوض بالأغنية لديهم، بشق الطريق أمام الأغنية الحديثة عبر تجارب كثيرة وتمهيدها بأسلوب علمي، عرف كيف يحافظ على الهوية العربية من الضياع، بالحرص على الغناء على المقامات الموسيقية العربية المعهودة، مع التطوير في الألحان، ومدّها بروح الموسيقا الحديثة وتأثيث التخت الشرقي بعديد الآلات الموسيقية، ومحاولة فرز الغناء العربي من كل غناء دخيل، كما أنهم قاموا بتهذيب الكلمات والعمل على إقصاء الكلمة الموغلة في العامية المنغلقة على ذاتها، وتنميق المفردات، باستحضار المفردة العربية الفصحى، أو على أقل تقدير، المشتركة بين الأقطار العربية كلها. ففي الأصل، كان الغناء العربي هو ذلك الغناء الذي لا يُسمَع من كلماته سوى الكلمة المستقاة من معاجم اللغة العربية، قبل ظهور اللحن في الكلمة لا الموسيقا، لكنْ بعد تشتت المسلمين وسقوط عاصمة الخلافة بغداد على يدي هولاكو عام 1258 ميلادياً - أي قبل 751 عاما من عامنا هذا - التي تلتها سنو الانحطاط الشامل، وعلى الأصعدة جميعها، وتشرذم العرب، وتقوقعهم كجماعات في أقطار تفصلها الحدود الوهمية، ما أدّى إلى تكريس ثقافة الفرقة والانغلاق، خصوصاً بعد خضوعهم للمستعمر الأوروبي، مع بداية القرن السابق.لكنْ بعد تنامي الشعور القومي وحروب التحرير ضد هذا المستعمر البغيض، ونيل أغلب هذه الأقطار العربية استقلالها، غدا العرب يبحثون عن هويتهم الثقافية والدينية والفكرية المستلبة، ما أسهم فوراً من حيث الجانب الفني، في بزوغ وسطوع أسماء لفنانين عرب كبار، كان لهم فضل السبق في وضع لبنات الأغنية الحديثة، وليس على سبيل الحصر، بل المثال، أذكر منهم سيد درويش والشيخ زكريا أحمد ورياض السنباطي ومحمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، والتابعين لهم مثل علي الشريف ومنير مراد وكمال الطويل ومحمد الموجي والرحابنة فكان لهؤلاء، ولغيرهم ممّن لم آتِ على ذكرهم -لأنّ القائمة تطول- التأثير الواضح على فناني بلادنا، لا سيما أنهم كانوا على مسافة قريبة منا، فأشرأبوا الى التحديث الموسيقي، وانعكس ذلك على أعمالهم لاحقاً.وعلى الرغم من الصعوبات، التي كانت تقف حجرة عثرة أمام الفنان في ليبيا في العقود الستة المنفرطة، إذ ابتغى أنْ يعلن عن نفسه، خصوصاً من حيث الجانب الاجتماعي، كما أنه كان يصعب على الفنان حينذاك، أنْ يحاول مجرد المحاولة، أنْ يخرج على الناس بلون جديد من الغناء، غير الذي اعتادت أسماعهم التقاطه، إلا أنّ الفنان الراحل محمد صدقي أصرّ صُحبة الملحن الكبير يوسف العالم على أنْ يخوضا غمار هذه التجربة الرائدة، التي حدثت في الأقطار العربية الأخرى، من حيث الفكاك من أسر الأغنية الشعبية، التي قاما بما يجب عليهما تجاهها.بيد أنّ لكليهما باعاً طويلاً في ميدانها، الذي أمسى لا يتسع للجميع من كثرة ما يعجُّ به من أسماء لفنانين ليبيين، فقد تناغم الاثنان مع أنغامها لفترة طويلة، وقدَّما معاَ ومع غيرهما من مطربين وملحنين، ما بوسعهما من غناء يأتي على شاكلتها، فالفنان الملحن يوسف العالم الذي أعدُّه قيدوم التحديث الموسيقي، كان يعي و بكل تأكيد، بأنّ الغناء على أوزان الأغنية الشعبية، سوف يحد من طموحه، لأنّ في هذا الغناء، تتعطل مهمة التلحين، ذلك أنّ أنغامه، تأتي على عدد معدود من الألحان الثابتة، التي تـُركـّب عليها الكلمات والأبيات الشعرية، بطريقة اللصق والنسخ، ما جعل جلَّ تركيز المتلقين في ليبيا -وحتى انقضاء فترة ليست بالقصيرة على ظهور أولى الأغنيات الحديثة، حين تقييمه لأية أغنية– ينصب على الزجال لا الملحن، وهذا أمر طبيعي، فقد اعتاد تجمُّد الألحان، التي أقرُّ بروعتها، غير أنني أملُّ تكرارها دوماً، ومن ثم، اعتاد أيضاً، غياب عنصر الدهشة الذي توفره الحداثة والتجديد في التلحين. أستطيع القول انّ المستمع الليبي، لم يع ِدور الملحن، إلا بعد أنْ ائتلفت جهود الشاعر والزجّال الراحل عبد السلام قادربوه والملحن يوسف العالم والمطرب الراحل محمد صدقي وقت إصدارهم لأول أغنية ليبية حديثة، كانت زمن ظهورها في عام 1957 ميلادياً، كما المولودة من رحم الأغنية الشعبية الكلاسيكية.وفي خطوة جريئة من ثلاثتهم، قدّموا للمستمعين الليبي والعربي، أغنية "طيرين في عش الوفاء" التي دخلت اليوم، عامها الثاني والخمسين، لتكون أماً لكل أغنية حديثة جاءت بعدها، فمثلما استقبلها المستمع الليبي بكل ترحاب، فقد حازت إعجاب المستمع العربي، الذي قلّدها أطواق الياسمين وأساور الذهب والفضة، فرحة بميلادها، خصوصاً في المحتفلات الفنية العربية، إذ أنها حظيت بإشادة المنظمين لهذه المهرجاناتزوبالنسبة للتحديث الغنائي الحاصل لدينا منذ تلك الفترة، يُعدُّ فوزاً ومكتسباً كبيرين للأغنية الليبية، مقارنة مع أقطار عربية أخرى تأخر التحديث الموسيقي فيها، كما دول الخليج مثلاً، التي على الرغم من استعانتها بالفرق والأطقم الموسيقية المؤلفة أعدادها من عشرات العازفين، واعتمادها التوزيع الموسيقي الحديث وتصوير الأغنيات بالطرق الحديثة، إلا أنها ما زالت إلى يومنا هذا، تقدّم غناءً يبتعد كل المسافة عن الغناء الحديث، الذي يعتمد أصول الغناء العربي، فما يعرض من غناء هناك ونراه على شاشاتنا، لم يتحرّر من السلم الخماسي الأفريقي، حتى في أعمال كبار فنانيهم وروّادهم، الأمر الذي يعني، والحال كذلك، مدى تفتق الذهنية الموسيقية المستقبلية لدى هؤلاء المبدعين الثلاثة. وقبل أنْ أباشر في الكلام عن سر نجاح هذه الأغنية، دعوني بادئ ذي بدء، أسطرُ لكم مفرداتها الفاتنات، ثم سيكون ليّ عنها حديث آخر:
طيرين في عش الوفاء.. باتن سهارى كنهن؟من شوق بالماضي لفى.. وللا الهوى شاغلهنوحيرتهن معايا.. في لوعة غلايا.. في ماضي بنيته
وكان الحب في ماضي زماني.. نار اتقيد.. وأوهاماً غريبةنسمع بيه ما يوماً دعاني.. ولا شاكيت من قسوة لهيبهبرموشه رماني.. خللاني نعاني.. في سهوة لقيته
بعد الليل.. ما سهّر عيوني.. تشكي دوم.. مشغولة بحاليوعاد الموح.. يوقد في ظنوني.. ظلم أيام.. ما فارق خياليوتاه القلب مرة.. وعاد معاه نظرة.. من غالي هويته
مال الورد.. فوق الغصن زاهي.. يوصف شوق.. في موّال غيّةيوم شقيت.. بيه وكان لاهي.. زاد النار.. في دموعي الخفيةوسهّرني ليالي.. تايه دوم بالي.. نحلف ما نسيته.
أما وقد طالعتم كلماتها ومعانيها، ماذا برأيكم، لو قام ملحن آخر بتلحينها، غير الأستاذ يوسف العالم، ممّن كانوا على الساحة الفنية وقتذاك؟ فبكل يقين، كان سيقوم فقط بالإعداد الموسيقي لها، ولقال في مطلعها "في عش الوفاء طيرين باتن سهارى كنهن؟" أي لاستعمل آلية التقديم و التأخير، التي درج عليها روّاد الأغنية الشعبية، إذ يتمّ تفريغ الكلمات في القوالب اللحنية المُعدَّة سلفاً، وبما يتناسب ويتماشى معها، من دون أي جهد لأي ملحن، لكون الشاعر، هو من يُقدم على اختيار الوزن اللحني من ضمن ما يحمل في جعبته من ألحان شعبية، عديدها مساو ٍ لستة عشر لحناً وكفى.والشاعر هو من يخبّر المطرب باللحن، الذي يجب عليه الغناء عليه، فيتعدى بذلك على المَهَمة المُهمة في الغناء، وهي الجانب اللحني والموسيقي، الذي يجب أنْ يتولاه شخصٌ مُلـِّم بالموسيقا وأسرار التلحين، كما فعل الأستاذ يوسف العالم في تلحين هذا العمل الجميل، الذي قام فيه باستحداث أسلوب جديد في التوزيع الموسيقي، الذي حشّده بكثير الجمل الموسيقية، التي نفذتها مجموعة من الآلات الموسيقية، برز في صدارتها صوت آلة الأكورديون بإحساس الفنان الكبير سليمان بن زبلح..هذا فيما يتعلق باللحن، أما فيما يتصل بالمفردات المنسوجة منها القماشة الحريرية لهذه الأغنية، التي طرزها الشاعر الراحل عبد السلام قادربوه فقد كان لها دورٌ فاعلٌ أعمق الفعل، في إنجاح هذه الأغنية، لأنّ مهندسها ومُعمِّر بنيانها (الشاعر) أدرك هو الآخر كيف ينتقي الكلمة الدارجة التي يتكلمها ويستوعبها الناس من واقع حياتهم اليومية، وأبدع بإضفاء الصور القلمية البديعة، وباختيار الأحدوثة الدرامية، وإسقاط أبطالها على كل حبيبين كانت لهما التجربة عينها، مراعياً في ذلك، كونه يعيش في مجتمع محافظ لا يسمح بأنْ يسمع كلاماً في الغناء، ينفلت من ضوابط الحشمة ويتجاوز الخطوط الحمراء؛ أما عن السرّ الكامن خلف نجاح هذه الأغنية وتميّزها، فهو يعود إلى صوت المطرب الليبي الراحل محمد صدقي.وأرى أنّ الملحن في عمله الغنائي، كما المخرج في البرامج المرئية، فهو من يستلم النص المكتوب من الشاعر، ويقوم بتصوير معانيه ومفرداته، أما المطرب فهو كما الممثل في العمل الدرامي المرئي، لكونه هو من يقوم بإيصال العمل الغنائي إلى المتلقي، هذا إذا احتكم على الأدوات، التي يجيء في طليعتها الصوت الحسن، ومثل هذا الصوت، هو ذاك الصوت الذي يتوافر على معايير الجمال كلها من دون استثناء ولا نقصان، من سلامة في النطق وعرض في المساحة، وقدرة على التعبير، وصراحة في الملامح، والتمكن من الغناء على الطبقات الصوتية الثلاث (المنخفضة والمتوسطة والعالية).وهذه الأشياء المتعلقة بالصوت الحسن، متحصّلة ومتوافرة إلى حدٍّ بعيدٍ في صوت المطرب الراحل محمد صدقي الذي امتاز ببحة مليحة تلقائية، كانت تزيّن غناءه، من دون تعمُّد ولا ترصُّد ؛ فبأدائه لهذه الأغنية الحديثة البكر، وضع هذا المطرب حجر الزاوية للأغنية الحديثة في ليبيا وجعل المطربين من مجايليه، وممّن جاؤوا بعده، يتسابقون نحو هذا اللون الجديد من الغناء، الذي سيتيح لهم إظهار ملكاتهم الصوتية الرفيعة، بالتحرر من عقال القوالب الكلاسيكية اللحنية المعمول بها قبل ذلك، فظهرت بعدها مباشرة أغنية حديثة أخرى منافسة لها، بصوت الفنان الكبير محمد مختار التي نغـّمها له الملحن يوسف العالم الذي يقف وراء كل عمل حديث، وهي أغنية "يا عين ليش دمعتك؟" وأعمال الملحن الراحل كاظم نديم والموسيقار الكبير محمد مرشان أطال الله في عمره.وبعد إطلاقه هذه الأغنية، ازدادت المسؤولية على كاهله، لأنّ أي نجاح لأيِّ فنان، يجعله دائماً يبحث عن الجيد والجديد، وقد كان أهلاً لهذه المسؤولية، حيث إنه أتبع عمله هذا بكثير الأغنيات الحديثة، كأغنيته "هذه الأرض هي العرض لنا" للملحن سالم بشّون وأغنية "هلّت ليالي العيد" للشاعر مسعود بشّون وللملحن إبراهيم أشرف وأغنية "ظلمتك معايا" و"وكيف نوصفك؟" للملحن الراحل حسن عريبي وغيرها من أغنيات ومواويل، بيد أنه كان يتقن أداء هذا الضرب من ضروب الغناء العربي الصحي (الموال).غير أنني، أعدُّ أهم محطتين مرّ بهما، هما تدشينه لمشروع الأغنية الحديثة في بلادنا، وثانيهما، ما اختاره لنفسه في أواخر عمره الفني، حينما قدّم للمستمع، السيرة النبوية في شكل مطوّر ومغاير للذي تُقدّم به في الزوايا الصوفية والمساجد حين الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، حيث إنه انتقل بهذا الإنشاد الصوفي إلى بلاتوهات الإذاعة، فكانت خطوة مباركة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الإنشاد الصوفي

محمود الشريف .. ربيع الأغنية الليبية الاجتماعية

عبد السلام زقلام .. شاعر من زمن الحبّ والطيبة