غنّوا لنا .. و غنّى لهم.. قراءة في بعض أعمال الفنان أحمد فكرون


إذا جاء الواحد منَّا ، ليعدَّ الأسماءَ و يحصيَّ الأصواتَ ، فسوف يعجزُ عن الإلمام بها ، أسماءُ و أصواتُ من ؟ إنها أسماءُ و أصواتُ الفنّانين و الفنّانات العربِ ، الذين أقبلوا علينا ، و تغنـّوا بالأغنية الليبية لحناً و كلمةً ، من المشرق العربي أو من مغربه ، سواء بسواء ، فقد وفد على ليبيا ، منذ حقبةٍ من الدهر ، أصواتُ ُعربيةُ ُ كثيرةُ ُ ، رفيعة المستوى و متوسطتـُه ، و من هذه الأسماء اللامعة ، يعنُّ على بالي أولُ ما يعنُّ ، الفنانون : " وديع الصافي " و " فائزة أحمد " و " عُليا التونسية " و " عبد الهادي بالخياط " و " سُعاد محمد " و " ميادة الحناوي " و " سميرة توفيق " و سينفدُ حبرُ قلمي ، قبل حتى أنْ أسردَ لكم ربعَ الأسماءِ المُتربـِعة على هذه القائمة - عموماً - فقد التف حول هذه الأسماءِ ، عددُ ُ كبيرُ ُ من الشُّعراءِ ، و المُلحِنين الليبيين المعروفين لدينا ، مثل : " حسن عريبي " و " يوسف العالم " و الراحل " كاظم نديم " و " إبراهيم أشرف " و " علي ماهر " و " نور الدين المهدي " و سينفدُ الربعُ الثاني من حبر قلمي ، لو أنني أمعنت في السَّردِ ، قبل أنْ أنجزَ لكم ، كتابةَ كـُلِّ من هم في هذه القائمةِ من مُلحِّنين ، أما على صعيدِ الشُّعراءِ ، فحدث و لا حرج ، لأنَّ القائمة ستطولُ و تطولُ هي الثالثة ، فهي تـُضاهي في طولِها القائمتين الأخريين ، لذا سينفدُ ما تبقى من النصفِ الثاني ، من حبر يراعي ، لو أنني استغرقت في ذكرِ أسماءِ هؤلاء الشُّعراءِ ، و لن يتبقى منه ، ما يكفيني لمناقشةِ و كتابةِ موضوع هذا المقالِ ؛ و ما يُلاحظ في الأعمالِ ، التي تغنـّى بها الفنانون العربُ عن ليبيا ، أنها كانت في أغلبـِها ، ذاتُ صبغةٍ ليبيةٍ خالصةٍ ، من حيث التأليفِ الغنائي و التلحين كذلك ، أما التي هي من تأليفِ و تلحين الشُّعراءِ و المُلحِّنين العربِ ، فكانت قليلة جداً ، و يغلبُ عليها طابعُ الارتجالِ ، بالذاتِ منها ، التي قـُدِّمت في الاحتفالاتِ الرسميةِ ، باستثناءِ عملين غنائيين اثنين و كفى ، هما أغنية ( بر الزهر و الحنة يا ليبيا ) التي قدَّمتها مجموعة ٌ من الأصواتِ التونسيةِ الكبيرةِ ، و عملٌ آخرٌ ، بعنوانِ ( على اسم حبك شعر ) الذي ألـّفه الشَّاعرُ و الموسيقار اللبناني الكبير " منصور الرحباني " و قام بأداءِ هذا النشيدِ ، مواطنُه المُطرِّبُ اللبناني " ملحم بركات " و ذلك في النصفِ الثاني من ثمانينيات القرنِ المُنفرِط. ما أودُّ نقاشَه و الخوضَ فيه من خلالِ هذا المقال ، هو التذكير بأنه ، قلما أنْ حدث العكسُ ، أي بمعنى ، أنّ المراتِ التي سُجِّل فيها تغني مُطربيّ ليبيا بكلماتٍ و ألحان للفنانين العرب ، أو بأحد هذين العنصرين ، تكاد أنْ تكونَ معدومة ، مع أنَّ الفـُرص قد واتت في مناسباتٍ عديداتٍ لحصول ذلك ، عند الزياراتِ الدوريةِ لبعض فنانينا إلى القاهرةِ ، و أثناء الشروع في التوزيع الموسيقي لأغنياتِه و تسجيلِها ، رفقة الفرق الموسيقيةِ المصريةِ في فتراتٍ سابقاتٍ ، حيث أوشك أنْ يحدثَ أكثر من مشروع غنائي بين موسيقار الأجيال " محمد عبد الوهاب " و الفنان الليبي الراحل " خالد سعيد " و كذلك مع مُنشِد القصائد ، المطرب الليبي المعروف " محمود كريّم " و بطبيعةِ الحال ، لو مكـّنت الظروف من ذلك ، لكانت ثمرة هذا التعاون الفنّي ، من كلماتِ الشُّعراءِ المصريين أيضاً ، و هنا يجدرُ بيّ ، ألا أغفل ذلك المشروع الغنائي الكبير ، الذي طالعت أهم تفاصيله و حيثياته ، في إحدى المطبوعات المصرية ، التي أجزمُ بأنَّها مجلة ( الإهرام الرياضي ) إنْ لم تخني ذاكرتي ، و الصادرة في أوائل تسعينياتِ القرن الفائتِ ، هذا المشروع المُتعلـِّق بعرض الموسيقار الراحل " محمد الموجي " و الملحن الراحل أيضاً " كمال الطويل "على الفنَّان الليبي الشَّاب " أحمد فكرون " غناء عملين من تلحينِهما ، كان من المفترض ، أنْ يؤديَهما الفنانُ " عبد الحليم حافظ " غير أنّ القدرَ ، قال قولاً آخراً في هذا الصددِ ، عندما عجّلت المنية بخطفِه باكراً ، و قبل أنْ يصلَ عمرَه الفنَّي إلى خمسة و عشرين عاماً ، بيد أنّ الفنـَّانَ " عبد الحليم حافظ " بدأ الغناء في سنةِ 1952 و توفاه اللهُ في سنةِ 1977 ، فتريث هذان المُلحِّنان " طويلاً ، قبل أنْ يُجازفا باختيار أيِّ صوتٍ لأحد الفنانين الموجودين لأداء هذين النغمين ، و استمر كلاهما ، في إحجامه و إعراضه عن هذه الأصوات الموجودة بكثرة ، حتى مكث هذان العملان لديهما ، لفترة طويلة حبيسي الأدراج ، مع علمهما ، بأنَّ ثمة أصوات عديدة ، كانت تتطلع إلى أدائهما ، و تشرأبُ أعناقها للفوز و الظفر بهما ، و في إحدى الزيارات المكوكية ، التي قام بها الفناَّنُ " أحمد فكرون " إلى القاهرةِ ، التقى هناك بالفنَّان " محمد الموجي " و " الطويل " فاستمع الأخيران و استمتعا بأغنيات الأول ، التي كان أخرُها شريط ( انتظار ) الذي أصدره في القاهرةِ في الأثناء نفسها ، فأنسا في صوت الفنَّان " أحمد فكرون " الصوت المُقنِع الذي كانا يترقبانه ، و يستشرفان قدومه بعد رحيل الفنان " عبد الحليم حافظ " و قد طال انتظارُهما ، لمثل هذا الصوتِ الجميل ، فأخرجا عمليهما من عِقاليهما ، و آثرا عليهم صوتَ الفنان " أحمد فكرون " الذي بدوره ، آثر هو الثاني ، بعد مراجعاتٍ مع ذاتِه ، أنْ يستمرَ على الدربِ الذي خطـّه بنفسِه لنفسِه ، و ألا ينحرف بفنِّه باتجاهِ أداءِ هاتين الأغنيتين ، و كان العملُ الأولُ ، بعنوان ( ع المغربية ) للمُلحِّن الأول ، أما الثاني ، فقد كان بعنوان ( سكون في المدينة ) للثاني ، و عمل آخر للمُلحِّن " محمد سلطان " و كانت هذه الأعمالُ جميعاً ، مُقرَّرة للفنَّان " عبد الحليم حافظ " قبل رحيلِه ، و لا ننسى ، أنَّ المّطرِّب " أحمد فكرون " لم يمكث في القاهرةِ في نهاية الأمر ، و عاد من حيث أتى.
و على الرغمِ من هذا الابتعادِ ، فقد انخرط الفنَّانُ " أحمد فكرون " مع فناني و شُعراءِ مصر ، حيث إنه ، تغنى بكلماتِ الشَّاعر المصري الكبير " مجدي نجيب " الذي كتب لكبار المُطرِّبين هناك ، مثل رائعة الراحل " عبد الحليم حافظ " التي هي أقربُ إلى فنِّ الموشحاتِ منها إلى أي لونٍ غنائي ثانٍ ، و التي تـُعدُّ من أجمل أغانيه ، ألا و هيّ أغنية ( كامل الأوصاف ) كما أنه ، تعامل بالكلمةِ مع المطربةِ " شادية " في أغنيتين رائعتين ، هما ( غاب القمر ) و ( قولوا لعين الشمس ما تحماشي ) الأولى من تلحين الموسيقار الراحل " محمد الموجي " أما الأخرى ، فهي من ألحان الراحل أيضاً " بليغ حمدي " .. على أيةِ حال ، فإنّ الفنّان " أحمد فكرون " تغنـَّى بثلاثةِ أعمال لهذا الشَّاعر المرموقِ ، و قام بتلحينها بقيثارتِه ( بذاته ) و هي أغنية ( انتظار ) و ( تمر سنين ) و ( إسكندرية ) بل إنه ، اشترك مع الشَّاعر في كتابةِ كلمات هذه الأغنياتِ ، و هذه الأعمال الثلاثة ، هي التي جعلت كبار مُلحني مصر ، يتمنون على هذا الفنان ، أنْ يغني من أعمالِهم ، و أُرجّع بنفسي ، السببَ في ذلك ، إلى أنَّ الفنَّان " أحمد فكرون " كما السيدة " فيروز " قد استطاعا أنْ يصنعا لنفسيهما ، اسمين خارج مصر ، ليكونا بذلك الحدثِ ، حالتين شاذتين و مشتجرتين عن مشاهير المطربين العربِ ، الذين انطلقوا من مصر ، بل إنهما ، باتا طفرتين مسجلتين في تاريخ الغناء العربي ككل. و لا يفوتني أنْ أشيرَ إلى أنّ الفنّانَ " أحمد فكرون " قبل أنْ يتعامل مع الشَّاعر " مجدي نجيب " كان له باع في الانخراط مع فنون الأقطار العربية الأخرى ، إذ أنه ، تغنى بعمل من الموروث العربي التونسي ، وذلك في حفل حي بمهرجان ( مراكش ) للشباب بالمغرب ، و ذلك في عام 1986 و كان العمل بعنوان ( سيدي المنصور ) فأوصله إلى العالمية ، حتى أنّ فرقة الـ ( بوني أم ) قامت بتوظيف و تجيّير الجملة الموسيقية لهذه الأغنية ، في أحد أعمالها العالمية و الواسعة الانتشار ، كما أنه ، و بطبيعة الحال ، قد أدّاها قبل أنْ يمتهنَ الفنَّانُ التونسي " صابر الرباعي " الغناء أصلاً ، حيث إنّ الأخير ، قد قدّم بصوته هذا العمل في الفترة القريبة الماضية ، إلى ذلك ، و في الفترة عينها ، أدَّى الفنان " أحمد فكرون " أغنية من كلماته و ألحانه ، تغنى فيها بأحد معالم مدينة ( مراكش ) ما يعرف بساحة ( جامع الفناء ) و هوّ يرسم لنا التجليات التي بعثتها فيه ، صورة لعجوز مغربيّ ، رآه في تلك الساحة ، يعزفُ على آلته الموسيقية القيثارة ، فصاحت في ذاكرته حكايات "علي بابا " و "علاء الدين " فترنّم بصوته الأخّاذ ، الذي يفيض عُرباً و عروبةً ، بكلماته هذه: في جامع الفناء .. كان يا مكان .. في ليلة صور ليّ .. ماضي الزمانعجوز بقيثارة .. يروي في أشعاره .. في نغمة أوتاره .. ألام و أحزان .و للفنّان " أحمد فكرون " أغنية أخرى ، أعتبرُها من طرفي ، من أجمل و أهم الأغاني التي تناولت ، محنة الشعب العربي الفلسطيني ، كتبها له الشاعر الليبي المعروف " فرج المذبل" و سجَّلها في سنة 1979 و كانت بعنوان ( فلسطين ) التي يقول في كلماتها الموجزة ، التي وصفت بعين شاعر ، محنة هذا الشعب الأبيّ البطل ، و هوّ يعزف على آلته الوترية ، صاحبته و أنيسته ، في أسفاره ( القيثارة ): يا طفل عايش في خيام الهم .. و شايل عذابه في عيون الأمبوك في جهاده و عايش ديما يقول .. حفنة تراب في الوطن تسوى دمفلسطين الحبيبة جرحها كان و ما زال .. مصيره بصمودك في يوم يلتم .نعم و الله صدقت يا فكرون ، فجرح فلسطين أرضاَ و شعباَ ، كان و ما يزال ينزف ، و أني لاستغربنّ كمستمع ، قبل أنْ أكون كاتباً ، في السرِّ الذي يقف وراء تجاهل هذا العمل ، و لا يجعل أغنية كهذه الأغنية ، تـُذاعُ في الإذاعات و القنوات العربية ، خصوصاً في مثل هذه الأيام ، التي يتعرض فيها الشعب العربي الفلسطيني ، لأكبر حملة تطهير و تجويع ، من قِبل عصابات الهمج الصهاينة ، لاسيما ما يجري في هذه الأيام في قطاع غزّة العزّة و الإباء. و بعد أنْ قدّم الفناَّنُ " أحمد فكرون " أغنيته السابقة ( فلسطين ) كان له موعدُ ُ آخرُ ُ في عام 1982 مع قطر عربي شقيق ، ألا و هوّ لبنان ، فتغنى " مُعبراً عن ذاته " كما يحب أنْ يقول دائماً ، بمأساة الحرب الأهلية ، التي كانت تعصف هناك ، و تحرق الأخضر و اليابس ، في ذلك البلد الجميل ، هذه الأغنية ، التي كتبها له مواطنه الشّاعر الليبي " نبيل الجهمي " الذي كانت أعماله الشعرية ، وقفاً على الفنّان " أحمد فكرون " من دون سواه من مطربين ، و شكّل معه ثنائياً غنائياً في العقد الثامن من القرن السابق .يقول " أحمد فكرون " من كلمات توأمه الفنّي ، الشّاعر " نبيل الجهمي " و هوّ يصفُ ما كان عليه لبنان ، قبل تلك الحرب من ازدهار ، و ما آل إليه بعد ذلك ، من خراب في النسل و الحرث: لبنان يا لبنان يا دمعة في بكايا .. يا ضيعة الإنسان و يا رعشة في غناياو يستمر من خلال هذه الأغنية في وصف هذا البلد قبل و بعد محنة الحرب الأهلية ، التي ألمت بهذا القطر الشقيق ، إلى أنْ ينادي في تتمة هذه الأغنية بصوته ، كي يعودَ لبنان كما كان مزدهراً ، وهوّ يشدُّ الجواب شداً آسراً ، بهذه الكلمات: اليوم رجعت يا بيروت .. وين شفت شبح الموتفي النهر في الساحات .. مستني ضيك يفوتو تعودي زي زمان .. عودي زي زمان يا لبنانو عاد لبنان كما كان ، و لو نسبياً ، و اطمأن بال هذا الفنان و الشّاعر كذلك ، إذ توقف دوي المدافع وآلة الحرب هناك ، بعد أنْ دارت تروسها كثيراً ، و أسكتتها لغة السلام. فأعمال الفنان " أحمد فكرون " كانت و ما انفكت ، مثل بيضة الديك " الذي لا يبيض في عمره إلا مرة واحدة " كما يزعم بعضهم بالقول ، مقارنة ً بالفنانين الليبيين ، حيث إنه الوحيدُ ، الذي تغنى بالأقطار العربية الأخرى و لها ، ليكون غناؤه بذلك ، طفرةً غنائية ليبية ، في هذا الشأن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الإنشاد الصوفي

محمود الشريف .. ربيع الأغنية الليبية الاجتماعية

عبد السلام زقلام .. شاعر من زمن الحبّ والطيبة