محمد حسن .. بين الغناء والتلحين

الفنان : محمد حسن
ثمة فرقة من النُّقاد الموسيقيين العرب، ما تزال تتخبط بشأن تصنيف الموسيقار العربي الراحل فريد الأطرش من حيث كونه مُطرِّباً أم مُلِّحناً، أم أنه يجمعُ بين الأمرين معاً، وهذه المسألة، هي من حملت الناقد المصري الكبير كمال النجمي رحمه الله، إلى أنْ يطرح هذا الأمرَ المُختلـَفَ حوله، في صورةِ سؤالٍ على موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب فبـِمَ أجابه يا ترى؟ قال مخاطباً إياه "قـُل ما شئت عنه، لكن عليك أنْ تتذكر دائماً، بأنه مغن ٍ خطيرٌ". وستكون لنا وقفة مع هذه العبارة المقوَّسة، في مناسبة لاحقة من هذا المقال.
لعلّ من المعروف، بأنَّ الفنَّان فريد الأطرش قد قام بتنغيم (تلحين) جميع أعماله بعوده (بنفسه) ما عدا أغنية وحيدة، قدّمها له الملحن الفلسطيني يحيى اللبابيدي التي بعنوان "يا ريتني طير لطير حواليك" وكانت أولى أغانيه، التي عرفه من خلالها المستمع العربي، ثم بعد ذلك، غزا الساحة الغنائية بجيشٍ من الألحان، له أولٌ وليس له أخر، وأصبحت أعماله تترى، حتى اشترك مع شقيقته أسمهان في تقديم الشريط الاستعراضي الضخم "غرام وانتقام" ذلك الشريط، الذي أثار ضجَّة وجلبة كبيرتين، وأحدث ثورة موسيقية تجديدية على الأغنية العربية برمتها، لما قد احتواه من ألحان، لا تصدرُ سوى من مُلحِنٍ ضليع ٍ بأصول ومقامات الموسيقية العربية والألوان الغنائية الإفرنجية، حتى أنه قدَّم بمعيَّة أخته ملحمةً (أوبريتاً) ضمن هذا العمل الجلل، على موسيقى "الفالس" بعنوان "ليالي الأنس في فيينا" محدثاً بها، نقلةً نوعيةً على الصعيدين الفنيين - الخاص به وبالغناء العربي إجمالا ً- وبعد رحيل الفنانة أسمهان عن الوجود، إثر تلك الحادثة المشؤومة التي أودت بحياتها، وأثيرت حولها القصص ولـُفِقت عنها الأقاويل، التي ما أنزل الله بها من سلطان، لم يقف مكتوف اليدين، إذ ْ أنه موّسق بعض الألحان لثلةٍ من المغنين الكبار، كأغنية "ع الله تعود" للفنان وديع الصافي وأغنية "يا وحشني" للمطرب محرم فؤاد و"أحبابنا يا عين" للفنانة وردة الجزائرية. ومع أنّ رصيده اللحني للأصوات الأخرى، يُعدُ حقيقة ً ضئيلُ ُ، إذا ما قورن مع مجايليه، إلا أننا نلحظ أنَّ كُلَّ عملٍ قدَّمه لأيِّ صوت من الأصوات المُتحدَّث عنها بعاليه، يعتبرُ أجمل ما في الرصيد الغنائي للأخير، فالعبرة ليست في الكم، إنما في جودة الألحان.
لكن تلك الفرقة التي حدثتكم عنها قبلا ً، لا ترى في صوت الفنان فريد الأطرش ذلك الصوت المقنع في الأداء، مع أنه حظيَّ بثقة الجماهير المُحِبة لفنِّه إلى وقتنا الراهن، لأسلوبه البكائي ولأدائه المُـمطـَّط ربما، لكنها لا تنكرُ عليه أنه مُلحِن فذٌ، وبالعودة كما وعدتكم، إلى المقولة التي قالها الموسيقار محمد عبد الوهاب العارفُ بأصول الغناء، في حقِّ هذا الفنان، سنلفي أنَّ الأول، لم يعتبر الفنَّان فريد الأطرش مؤديا ً وكفى، بل إنه وصفه بالمغني الخطير، وهذا شيء عظيم؛ ولأنَّ الآراءَ، قد تختلف من شخص إلى آخر، وكما يُقال بما معناه: "الأذن الواحدة لا تسمع". فالرأيُ عندي، أنه قد حدث نوع من الاتزان، بين كفتي الميزان، اللتين إحداهما تحمل رأي النـقاد بشأن تجربة الفنان فريد الأطرش من جهة، والأخرى تحمل رأي جمهوره، وتعليق الفنان محمد عبد الوهاب معاً من جهةٍ مقابلةٍ، أي أنَّ الأولين يعترفون بكونه ملحنا ً بارعا، والأخيرين بالمثل، يعدونه مطربا ً كبيرا ً، من هنا وبحسب منظوري الخاص، نكون قد أجبنا عن ذلك السؤال الشائك، حيث نفضي إلى أنَّ الفنان الراحل فريد الأطرش قد جمع بين الغناء والتلحين في الآن نفسه، هكذا وببساطة شديدة.
ما أحبُّ أنْ أضيفه في عُجالة إلى ما سبق، هو رأيي بخصوص الأسلوب البكائي الخاص بغناء هذا الفنَّان، فالرأيُ لدي، أنه لا يعود إلى التجارب العاطفية الفاشلة التي مرَّ بها، كما قد يُخيَّل إلى الكثيرين، لكنْ إلى جانبٍ مهم، قد غاب على البعض من تلك الفرقة المعنية بالهم الفني، فهمُ هذا الفنان، يرجعُ إلى وأد تجربته اللحنية بعد ولادتها بقليل، كيف ذلك ؟ أقصد - بعد تحطم مشروعه الغنائي الذي كان يُخطط له، ويعتزم تقديمه رفقة الصوت الملائكي الذي عُرفت به الفنانة أسمهان فقد كان يراهن عليه في أداء ألحانه، التي يصعب على كبار المطربات والمطربين، الذين جاؤوا بعدها أنْ يؤدوها، كما ينبغي لها، وما يُدلـِّلُ على صحة رأيي هذا، أنَّ أعماله التي قدَّمها وهي على قيد الحياة، كانت مُفعَمة بالأمل وبحماس الشباب المقبل على الحياة، ومن ذلك ما أصدره من أغنيات في الفيلم الذي اشتركا في تمثيله، وكان بعنوان "انتصار الشباب" غير أنَّ رحيلها الباكر، ترك في نفسه هذه المسحة من الحزن القهري، الذي ما استطاع أنْ يخرج من قوقعته، حتى في أغانيه التي لا تحمل الطابع الحزين.. هكذا.
كأنني بقارئ ٍ، يتساءل في قرارة نفسه، بعد هذا التمهيد المستفيض: ما لنا وفريد الأطرش؟ ثم ما دخله بعنوان مقالك هذا؟ لذا سأوافيه بالتعليل الآتي:
الحديثُ عن الفنون حديث ذو شجون، وأنا أتبع أسلوبا ً خاصا ً بيّ في الكتابة، حيث إنني أعود دائماً إلى الاستشهاد بالفنانين الكبار في زمن الغناء الجميل، الذين ليس بمكانة أي فنان حلّ على الغناء بعدهم، أنْ يُزايد على أصالة وجودة ما أضافوه إلى الغناء العربي بعامة، لأنهم أسسوا مدارس للأغنية العربية، والأغنية الليبية ليست بمنأى عنها، بل هي وثيقة الصلة بها، فالخليقُ بنا أنْ نجعلهم دوماً مراجع لنا، كلما طاب لنا تناول هذا الشأن الفني، وذلك بالتمثل بتجاربهم والامتثال لآرائهم ؛ فإذا تعرَّض فنان كبير في حجم وقامة فريد الأطرش إلى مثل هذه المراجعات الفنية، من قـِبل النـُّقاد والمستمعين، فلا غضاضة في أنْ نُعيدَ نظرتنا فيما جاد به فنانو بلادنا، أ ليس كذلك؟ إذاً يا عزيزي لندخل تواً، إلى صلب الموضوع المُتعلِق بعنوانه، مع الوعد بالعودة إلى تجربة هذا الفنَّان، كلما لزم الأمرُ ودعت الحاجة إليها.
أطرح في البدء سؤالاً على نفسي، هذا سياقه: هل الفنان الليبي محمد حسن مطرب أم مُلحِن، أم أنه مثل الموسيقار فريد الأطرش في جمعه بين الغناء والتلحين، جنباً إلى جنب؟ وكل ما أرجوه ألّا يُفهم من ذلك، بأنني بصدد عقد جدول ٍ للمقارنة بين الاثنين، فحاشى وكلا إن كان هذا مبتغاي، فما سيلي في هذا المجال من هذا المقال، سوف لن يكون سوى اجتهاد مني للفت الانتباه إلى تجربة الفنان محمد حسن من دون أيِّ تأثير ٍ خارجي، وبحسب ذائقتي الخاصة، التي هي المهماز الذي جعلني أخطُّ لكم مقالي هذا ؛ فقد ودَّدت أنْ أخوضَ في غمار الإجابة عن هذا السؤال، الذي طالما أرّقني وعصف بتلافيف مخيلتي، بعدما وجدت أنَّ ثمة فوارق عميقة الشقة، بين أعماله القديمة والحديثة، لذلك سأمحور مقالي إلى محورين، كي أتناولَ تجربته في هاتين الفترتين الزمنيتين، جاعلاً الفيصل بينهما (كاركتر) الخيمة الغنائية الذي استحدثه لنفسه، في نهاية المنتصف الأول من عقد الثمانينيات من القرن المنصرم؛ فهذا الفنان بدأ في الوسط الفني كمغن ٍ من طراز رفيع، نظراً لأنه، يحتكمُ على خامةٍ صوتيةٍ، تجمع بين الجمال والقوة والرقة والمتانة والمقدرة العالية على التعبير المقنع وتقمص جميع ألوان الغناء العربي، فهذه الخصائص جعلت صوته ذي ملامح ٍ مميزةٍ، قلّ وعزّ نظيرها حتى في الأصوات العربية، آن ولوجه إلى عالم الغناء، ما جعل نجمه يبزغ ويلمع سريعاً، وجعل ثلة من أهم ملحني ليبيا، الذين شهد القاصي قبل الداني بجدارتهم اللحنية، يلتفون من حوله ويزودونه بكم ٍ هائل ٍ من الألحان، التي كشفت مكامن جمال هذا الصوت، ووظفوه في أداء أعمال متنوعة المقامات، فلو شاءت الصدف واستمعت إلى بعض ٍ منها سيتراءى لك، كيف أنه كان يتماشى مع طبيعة صوته، ويبدو هذا جلياً في هذه الأغنيات التي أدّاها صاحب هذا الصوت: "بلادنا زين على زين" للملحن عطية محمد و"يا ريح هدّي" لملحنها يوسف العالم وأية أغنية أخرى غناها، من ألحان إبراهيم أشرف.
ما نزال دائماً في الفترة التي سبقت ظهور الخيمة الغنائية، حيث إنَّ هذا الفنان المولع بالغناء، أخذ لنفسه منحى آخراً، يختلف عن مسار البداية الذي عرفه به الجمهور، إذ ْ أنه، انتقل إلى مجال التلحين في وقت سريع، وقام بالتلحين لنفسه، فأصدر مجموعة رائعة من الأغاني التي من ألحانه مثل "خلك رفيقاً زين" و"لا تجرحيني" و"جيتك" وملحمة "يا ليبيا الشجعان" غير أنَّ ما يُلاحظُ فيما بعد، أنَّ أعماله اللحنية والغنائية بطبيعة الحال كذلك، أضحت تتسم بميسم واحد وغير مختلفة عن بعضها البعض، الأمرُ الذي من شأنه، أنْ جعله يدخل في حلقة التكرار والنسخ تقريباً، فأنا لست أعيبُ أو أستكثر عليه أنْ يكون ملحناً، لكن إذا رغب في ذلك، فله في الراحل " فريد الأطرش " أسوة، لأنَّ الأخيرَ، لم يكرَّر نفسه البتّة، فعلى الرغم من أنه قد أُشتهـِر بالموسيقى الشرقية، إلا أنه قد أثبت في أكثر من مناسبة فنية، بأنه دارسُ ُ وعارفُ ُ حتى بالموسيقى العالمية، وآية ذلك الأوبريت الذي استعرض فيه عضلاته اللحنية، محاولاً به أنْ يدفع عن فنه، تلك التهمة الباطلة، التي ابتغى البعض من النـُّقاد إلصاقها به عنوة، فأدهشه بمقدرته الكبيرة في أداء الألوان الغنائية جميعها، بما فيها الشرقية والغربية، ولعلّ عنوان هذا العمل الكبير، يوضح مراده من تقديمه إياه في حينه ؛ فقد أسماه "شرق وغرب".
ولست أرمي من هذا، إلى أن أدفعَ بالفنان محمد حسن إلى أنْ ينزلقَ بفنِّه في منحدر التهريج، فقد أصبح هذا الأمر "همروجة وفزّاعة" يخشاهما أغلب الجيل القديم من المطربين - أي - التحديث الموسيقي، ولكنْ أنْ ينوعَ في الألحان التي يقدِّمها للجمهور، الذي لم يسأله بعد سؤالي المنصرم، فإذا كان السبب في التكرار الذي وقع فيه ناجماً عن محبته للغناء في الخيمة الغنائية، فإنني أريد أنْ أخبره في هذه الفرصة السانحة، بأنَّ الصدف، هي من تجعلني دائماً وقت سماعي لأعماله، أؤخذ إعجاباً ببعض منها طوراً، وآخذ ُ عن بعضها الآخر، عدة مآخذ في طور آخر، وحينما أتساءل عن سرِّ هاتين الحالتين، اللتين أمرُّ بهما، كلما استمعت إلى أعماله، أجدُ أنَّ أغنياته التي تعجبني، هي التي ليست من ألحانه، فليس أقلُ إذن، من أنْ يُرينا مقدرته اللحنية، ويُثرينا بين الفينة والأخرى، بعمل غنائي من ألحانه التي يكون لها طعم مشتجر عن أعماله الأخيرة، وله الحق كل الحق، فيما اختاره لنفسه من حيث شكل الغناء، حتى أستطيعُ بعد ذلك، أنْ أصفه بالملحن، بعد أنْ وجدت فيه، مُطرِّباً من عيار ثقيل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الإنشاد الصوفي

محمود الشريف .. ربيع الأغنية الليبية الاجتماعية

عبد السلام زقلام .. شاعر من زمن الحبّ والطيبة