للحن الدور الأعظم في نجاح أعمال الراحل محمود كريّم


ما كان لأية أغنية، أنْ تظهر للأسماع، لو لم يقف وراءها ملحن ماهر، ومتسلح بالجملة الموسيقية المُعبِّرة عن مفرداتها المصاغة من شاعر مرهف الحسِّ ومثقف، يكتب الكلمة التي تفصح عمّا يختزنه من مشاعر، من دون أنْ يوعزَ إليه، بطلبٍ مسبق ٍ من الملحن أو المؤدي، لأنّ هناك نفراً من الملحنين والمؤدين، من قد يطلب إلى الشاعر، أنْ يعدَّ له أغنية ما، تحكي عن معنى معين يمسّه من دون سواه، ويريد أنْ يعبر عنه ويسمعه للمتلقي.ولكن بعد مرور الزمن، صار ليس من المستغرب، أنْ تنشأ الأغنية، ويؤسس لها بطريقة ممنهجة ومغايرة للتقليد المتعارف عليه سابقاً، الذي ألمحت إليه منذ قليل، أي بأنْ تـُنظمَ كلمات الأغنية أولاً، ثم يقوم الشّاعر بعرضها على الملحن ثانياً، الذي قد يختارها من ضمن مجموعة شعرية غنائية، كان هذا الشّاعر قد أعدّها في فترات سابقات.مثل هذه الحالة حدثت في الأغنية الليبية، عندما طلب المطرب والملحن الليبي سلام قدري من الشاعر الغنائي أحمد الحريري أنْ يؤلف له العمل الذي أضحى معروفاً بين الناس، وهو أغنية "يانا عليّ يا غزالي" إثر استماعه لهذه الكلمة الدارجة مصادفة من أحدهم، وسأل عن كنهها، فعرف ما تنطوي عليه من معانٍ كثيرات، رآها تصلح لأن تـُغنى، وتـُعنوَّن بها أغنية، باتت ذائعة الصيت.فهذان الأسلوبان اللذان طرءآ على الغناء العربي، يندرجان بحسب ما أرى، تحت مسمى "فن صناعة الأغنية" وبصريح العبارة، أنا لست مع من يحبذون هذا النحو الجديد من الغناء، مع أنّ العديد من الأغنيات، التي استمعت إليها، وكانت من هذا اللون، أقرُّ بأنها رائعة، لكون الملحن، الذي ينتهج هذا المسار، هو في الأصل موسيقار ينزع بطبيعة الحال، إلى الجملة الموسيقية، التي تجول في قريحته اللحنية، قبل أي شيء غيرها، غير أنّ الكلمة التي تستفزها، لم تصادفه بعد، فيعمل على تطويع خبرة الشاعر (المؤلف) الذي يراه خليقاً لأداء هذه المهمة الفنية، ليبحث له عن الكلمة المرتجاة.وما يجعل المطرب الذي هو من هذا النوع، يلجأ إلى هذه الطريقة، ربما لعلمه بملكاته ومقدرته الصوتية، ولثقته بطريقة وأسلوب أدائه، من خلال مجالسته لعديد الملحنين المقتدرين، فتتكشف أمام الملحن الضليع، عديد الأبواب والمداخل، التي يتم الولوج عبرها إلى عمل جديد، يأخذ في التشكل بنفسه مصادفة أحياناً، بعد أنْ يستعرض صاحب الصوت عضلات حباله الصوتية، بمقدرة فائقة على التلاعب بها وإظهارها من عقالها، وإبراز طبقاته الصوتية الثلاث، المنخفضة والوسطى والمرتفعة، والمعروفة علمياً وعالمياً، بـ "التينور" و"الباريتون" و"الباص" هذا بالنسبة للأصوات الرجالية، التي تقابلها "السوبرانو" و"الميزو سوبرانو" و"الأليتو" بالنسبة للأصوات النسائية، بحسب ما أُصطلِح عليه في علم الصوتيات وبعدما يصل المطرب والملحن، إلى اكتشاف مكامن الجمال في الصوت، يوكلان بمهمة اكتمال عناصر الأغنية إلى المؤلف الذي يجود عليهما بملكاته وكلماته، التي من الضروري جداً، أنْ تجيء على مقاس حنجرة المغني، بحيث يعرف المواطن والمواضع، التي يقوم فيها المطرب بتفخيم أو تنعيم اللفظة حين الأداء، وكذلك طبيعة اللحن ومقامه، وهذه الحالة الغنائية حدثت في التجارب الناضجة بين صوت السيدة فيروز والرحابنة الذين كانوا يستوحون اللحن من خلال الآهات واللالات والترنيمات، التي تتقنها. على أية حال، إذا جئنا لنتفحص هذا السؤال المهم، فيما أرى، الذي يتمحور حوله هذا المقال، سنلفي أنّ كلا الاحتمالين جائز ووارد ويؤخذ به، فمن جهة، فإنّ الكلمة في الأغنية، بحسب ما علمنا من المؤرخين، كانت هي من تجيء أولاً، ومن ثم اللحن فالأداء، لتكتمل بذلك عناصر العمل الغنائي، مع أنّ صناعة الغناء، فيما بعد، جعلت هذا الترتيب يختلف، فقد يتقدم اللحن حيناً، وحيناً آخراً، يكون دور المطرب، هو الذي يأتي في المقام الأول في تكوين جوانب الأغنية، ومع أنّ هذا المنحى الغنائي المستحدث، ما يزال في بدايته، ولم يتطرق إليه ويعمل به الكثيرون، إلا أنّ بعضاً من رواد الأصالة، وكذلك الحداثة في الغناء العربي، حاول أنْ يقـّعده (يجعل له قاعدة).ما نزال دائماً ضمن هذه الدائرة، وبصدد فكرة أنّ اللحن، هو الطاغي على الكلمة في الغناء العربي، ولنؤكد على دقة هذه الرؤية من جهة أخرى، فلو جئت بأية أغنية، وهأنا ذا أفتح لك الضفرين (……. ) وأجعل ما بينهما خواءً، لتضع بداخلهما اسما معيناً لأية أغنية تشاء، وتجري عليها هذا الاختبار، الذي لن يتطلب منك أي مجهود يُذكرُ، فبعد أنْ تضع اسم الأغنية في مكانها الذي حدّدته لك، وتقوم بعدئذ بتذكر مفرداتها وموسيقاها، سل نفسك إثر ذلك، لو أنّ هذا العمل، لم يُقدّم باللحن الذي هو عليه، فكيف ستكون الحال؟ أو بصيغة تساؤلية ثانية: لو أنّ الشاعر، صاحب كلمات هذا العمل، سلّم كلماته قبل أنْ يُعرَف بهذا اللحن، إلى عشرة ملحنين في آنٍ واحدٍ، فهل سيأتونه بلحن ثابت؟ أم ماذا بالضبط؟.. قطعاً سيكون لكل ملحن منهم، اللحن الخاص به، والمفصح عن رؤيته اللحنية، غير أنّ سوية هذه الألحان، ستختلف عن بعضها البعض، وسيبدو لك أنّ ثمة لحناً لأحد هؤلاء الملحنين، يتفوق على التسعة الأخريات، ويأتي في طليعتها، مع أنها أغنية واحدة، ومن نظم شاعر واحد، أعدّها بالعنوان ذاته، وبالكلمات عينها.هذا الاستفسار، سيكون مدخلاً للقيام بقراءة سريعة في بعض من أعمال المُقصِّد أو بالأحرى، مُنشـِّد القصائد الليبية، المطرب محمود كريّم الذي رحل عن دنيانا منذ أيام قلائل، رحمه الله برحمته الواسعة، وسنجعل من عمله المحفوظ في ذاكرة الليبيين والليبيات، الصغار منهم والكبار، ممن ترنموا وتغنوا بمحبة بلادهم، من خلال هذه الأغنية، التي حملت عنوان "تعيشي يا بلدي" التي قصّدها له ولنا، الشاعر الغنائي الكبير أحمد الحريري ونغـّمها وموّسقها الموسيقار علي ماهر سنجعل هذا العمل، من يقوم بدور المجيب عن استفسار ذلك المجادل في الفقرة الموالية.تعيشي يا بلدي.. يا بلدي تعيشيتعيشي في غنوة كبرى.. اترددها الأجيالثم يتبعها بأبيات أخريات، في ( كوبليه ) آخر، حينما ينشد:يا لحني وموالي.. يا ضحكة أطفاليتعيشي يا بلدي.. يا بلدي تعيشي..لذا نجد أنّ كبار المغنين في الغرب، يستعينون بكبار العازفين من العالم، لدرجة أنهم قد يستعينون بعازفين من الهند وأفريقيا في أحيان كثيرة، خصوصاً من ضابطي الإيقاع، وهذا ما يجعل الغناء العربي الأغنى، والأكثر ثراءً من الغناء الغربي، حتى من خلال إظهار الصوت، فالغناء العربي، لا يتمُّ فيه الأداء عبر إخراج الصوت من الأنف، وإنما يجب أنْ يصدر من الحنجرة عبر الفم، وإعطاء كل حرف حقـّه، فإما أنْ يصدر من اللسان أو من الجوف أو من الحلق، وكل من أدّعى الغناء عبر مسيرة الأغنية، ولم يلتزم بهذه القواعد الضابطة للنطق، كان مصيره إلى الفشل الذريع.أعود بكم الآن، إلى أغنيتنا الشجية "تعيشي يا بلدي" فقد قرأت منذ أيام قليلة، مقالة للكاتب محمد الأصفر بخصوص هذه الأغنية، ورد فيها قوله "ثمة شعراء كثيرون، تغنوا بمحبتهم لأوطانهم، وفي كل بلد من هذه المعمورة، هناك أكثر من أغنية، تحمل العنوان ذاته، غير أنّ ثمة أغنية واحدة في كل بلد، نجحت وأحبها الناس، وصارت بمثابة النشيد الوطني لديها، تتغنى به في أفراحها وأعيادها الوطنية".لقد كان لحن هذه الأغنية، علامة بارزة في الأغنية الليبية، التي كانت تحاول أنْ تتخلص من أسر الموروث الشعبي (الموسيقي منه) الذي سيطر طويلاً على عدة أجيال من الفنانين (الملحنين والمطربين والشعراء) ككل، ولقد جاءت هذه الأغنية لتثبت نجاح هذه المسار في الأغنية الليبية، وبعد نجاح آخر، منقطع النظير، حققه هذان الفنانان، بتقديمهما لقصيدة "بلد الطيوب" التي نظمها شاعر الشباب علي صدقي عبدالقادر في أواخر ستينيات القرن العشرين، فشكلا بها مع هذا الشاعر نموذجاً يُحتذى به، للأغنية الليبية المتطورة، التي تمضي وفق أسلوب علمي موسيقي، يأخذ بعين الاعتبار والحُسبان، كون ليبيا هي جزء من الحاضنة العربية الكبيرة، ولا بد من السير على الهوية العربية فنياً وثقافياً، بإعداد مثل هذين العملين، اللذين اعتمد فيهما الملحن، التنغيم على المقامات الموسيقية العربية، المعمول بها في أكثر الأقطار العربية المتقدمة في مجال الموسيقا والغناء، وبالاستعانة بصوت يجيد الغناء العربي، وفق أصوله المعروف بها، بحيث عملا على جعل أغنية "تعيشي يا بلدي" ذات الصبغة المحلية كلاماً ونطقاً، مقبولة عربياً، قبل أنْ تكون محلياً، فعلى الرغم من كون هاتان الأغنيتان، لشاعرين مختلفين، وكل واحد منهما صاغها بالمفردة التي رآها مناسبة، وبالتشطير الذي يميل إليه في نظم أغانيه وقصائده، إلا أنهما نجحتا نجاحاً باهراً، وحازتا على محبة الجمهور، على الرغم من مرور حقبة من الزمن على وقت تسجيلهما، ذلك لوقوف ملحن ماهر وراء هذا النجاح، هو الملحن علي ماهر ولعلي بذا، أكون قد أوضحت وبيّنت، كيف يكون للحن الدور الأهم في نجاح أي عمل غنائي وشهرته، لكي يجد مجادلنا في الفقرة السابقة ضالته التي يبحث عنها.قِناعُك البسيه أو اخلعيه.. وقلبك اصدقيه أو اخدعيهو أخر ما أتمُّ به مقالي، هو خِطاب، أرى من اللازم، أنْ أوجهه في صيغة سؤال إلى ملحننا العبقري علي ماهر سياقه، فيما يلي: ألم يكـُن الأجدى والأولى بك، أنْ قدمت قصائدك، التي تغنى بهما الفنان العربي عبدالهادي بالخياط إلى الراحل محمود كريّم لأنّ الفقيد كما بدا ليّ، كان الأحق والأجدر بها، لامتلاكه صوت ذي خصائص أكثر وأجمل من صوت ذلك الفنان المغربي؟ وبمناسبة رحيل هذا الفنان، أقول للقارئ والمستمع، إنه ما يزال لدينا أصوات جميلة في بلادنا، من ضمنها صوت الفنان عزالدين محمد الذي أحسبه شقيق الراحل، للتشابه الكبير بين نبرات صوته وصوت الفقيد، خصوصاً في أغنيته الرائعة "رشوا الأرض زهر وحنة".
تعليقات
إرسال تعليق