الإضافة إلى الموروث مقياس نجاح الأغنية الليبية

الموروث الغنائي الليبي غنيٌّ، وهذا مما لا شك فيه أبداً، وهنالك من الفنّانين الليبيين من ينهل ويحاول الاستفادة بالاستزادة منه على الدّوام، وهذا شيءٌ حسنٌ مما لا شك فيه أيضاً.ومسألة إحياء التراث الغنائي لا تتوقف على التذكير به ولا بتهذيبه فقط، لا بل على ريِّه بروافدٍ أخرى،فهو كما معين ماء ما، لا ينبغي أنْ ننهلَ منه فحسب وإنما يتعينُ علينا تغذيته بمصادر جديدةٍ.كل عصر جاد فنانوه بما تعلموه وتأثروا به من فنون استحدثت على الغناء في ذلك العصر، فهذا التراث أُشبهه مرةً أخرى ومن جديد بمعين الماء العذب الذي قد يفتقد بعض العناصر والأملاح الداخلة في التركيب والخواص الطبيعية له، وهنا يأتي دور الفنَّان المُبدِع، ليضيف إلى ما هو متوافر وموجود فيه من أنماط فنية وألوان غنائية حديثة في أسلوبها وموسيقاها.وهذا ما أدركته ثلة من الفنانين الليبيين، شعراء كانوا أو ملحنين أو مغنين فمضوا على هذا البناء عندما عرفوا كيف يحافظون على ما يحتويه هذا التراث بإغداقهم عليه بكل ما هو جميل من الغناء في الوقت الذي اكتفى فيه نفرٌ من الفنَّانين بالسقاية منه وكفى، ربما لتصوره بأنّ ما ورثه من فنٍّ قديمٍ هو متكاملُ الألوان ومكتملُ الرؤى والأبعاد، ولا ينقصه شيء حتى يقوم بإضافته إلى مكوناته، على غرار ما قام به المطرب السوري الكبير صباح فخري حين اكتفى طوال مسيرته الفنية بغناء التراث العربي السوري أو الشامي برمته.لكن الفنان الليبي سيظلُّ ملزماً ومسؤولاً دائماً أمام المستمع الليبي والعربي أيضاً على العمل والمثابرة من أجل دراسة هذا الإرث الغنائي الذي يحوزه، ليعرف بعد ذلك ما يفتقد تراثه، ومن ثم يعمل جاهداً على أنْ يسكبَ على هذا المعين الغنائي الذي لديه شيئاً غنائياً من لدنه، وأن يسبك القوالب الموسيقية والغنائية الجديدة، حتى يكتمل نقش فسيفساء هذا الفلكلور.وهذا ما انتهجه الملحن المثقف موسيقياً علي ماهر وعمل عليه من خلال عدة قصائد غنائية أعطاها لأصوات ليبية وعربية منها مثالاً لا حصراً محمود كريّم وميادة الحناوي وعبد الهادي بالخياط وهلم جرا، مستعيناً بكلمات عدة شعراء وأدباء محليين ومعروفين على الصعيد العربي كشاعر الشباب علي صدقي عبد القادر وعلي فهمي خشيم وغيرهما من شعراء روَاد آخرين.وما دُمنا في ذكر لفظة "البيت" فهناك نغم شجي نظمه المؤلف الغنائي فرج المذبل تغنى فيه بحب الوطن عنوانه "يا بلادي"، وقام بتلحينه وأدائه، الفنان الشاب أحمد فكرون في 1979 وهو مؤلفٌ من مطلع وبيتين لا أكثر ولا أقل من ذلك، قدرَ بشاعريته أنْ يبني للأسرة بيتاً واحد يُظلل كل أفرادها،وأيُّ بيت هو؟ إنه بيتٌ شعريٌّ يختزل فيه معاني كثيرة، إذ يقول مُخاطِباً بلاده بأسلوبٍ بلاغيّ (الاستعارة):طفلي بكره وضحكة بنتي.. وتراب اجدودي الغواليفهذا العمل منذ صدوره وإلى الآن ما يزال يحتفظ ببريقه ويحيطه الإعجاب محلياً وعربياً، وتحفُّه اهتمامات الهواة الجُدد، وذلك يتبدى جلياً في تقديمه في عدة مناسبات فنية ووطنية كذلك، الأمر الذي سيجعله هو الآخر يُضافُ إلى المخزون الغنائي المحلي والعربي.ماذا تبقى لنا في هذا المقال لنقوله غير تحفيز الفنانين وندبهم إلى دراسة الموروث الغنائي الليبي جيداً لمعرفة ما يعوزه، فيقومون باستكماله وهذه حقيقة لا يجوز التملص منها، وقد بيّنت لهم كيف كانت الأغنية الليبية تفتقر إلى وقت ليس ببعيد إلى القصيدة العاطفية المُغناة حتى قام علي ماهر والملحن الرائد في هذا المجال يوسف العالم باستحداثها على الأغنية الليبية.
تعليقات
إرسال تعليق