فريد الأطرش في قـِصار الأغاني
اتسمت الأغنيات القصيرات الزمن ، للفنان الكبير " فريد الأطرش " بالكثافة الشجنية العالية و الزخم العاطفي الكبير ، و بالمتعة الطربية التي تؤطرها ، هذا من حيث المسمع الخارجي لها ، أما إذا دخلت إلى عوالمها الموسيقية الفسيحة ، فسوف يتراءى و يتسامع لك ، أنها من العمق في اللحن و الغزارة الموسيقية بمكان ، و ما تقديمه لها في الحفلات الغنائية المباشرة ، إلا برهانٌ مسموعٌ ساطعٌ على ذلك ، فهو من التجديد ، إلى درجة أنه لا يُقدِّم لمستمعه قِصار الأغاني المُسجَّـلة سلفاً ، داخل حجرات التسجيل المسموع ( الأستوديوهات ) كما هي تماماً على المسرح ، بل إنه يلجأ على الدوام ، إلى تحويلها إلى طِوال الأغاني ، من دون أنْ يُحسّس المتلقي ، بأنه كان قد أدّاها سابقاً على نحو زمني قصير ، ذلك أنه ، من النوع الذي يختزل الجملة الموسيقية و المذهب و المطلع ، مع علمه بأنها على مستوى عال ٍ وبديع ، و تستلزم روعتها الإعادة غيرة مرة في العمل الواحد ، حتى لتكاد و أنت تنصت إلى أغنياته ، تحتجّ على ذلك و تهمس إليه : " ليتك يا فريد أعدت المقدمة مثلاً "من أية أغنية له ، لكنه سُرعان ما يُنسيّـك احتجاجك و عتبك ، و عن طيب خاطر ، و يتنقل بك في عوالمه ، الضيقة الشكل الخارجي ، فتسلم له أيديك الثلاث ، أقصد بالطبع ، أذنيك و خيالك ، ليرحل بك إلى عوالم من الفنِّ ، أنت تجهلها ، و ما كنت لتعرفها إلا في حضرته و بصحبته ، فتتنازل عن عتبك عليه ، من دون أنْ يستسمحك عذراً ، اللهم إلا ، بأدائه المُقنِّع .
و منبت اختزاله لهذه الحليات الفنية ، أرجعه إلى الكم الوافر و الزاخر من الموسيقا الذي يحتويه و تضيق به مشاعره المُرهَفة ، فلا يودُّ أنْ يستثمر و يستهلك - كما غيره من مجايليه - الجملة و الفكرة الواحدة في غير موضع من الأغنية ، بل يُسرِّبها لتفسح للجمل الموسيقية المحتشدة الأخريات مجالاً ، لتسفر عن نفسها بنفسها ، فيرتاح بذلك من ثقلها ، و هذه هي تعلتي للاستفهام الذي طرحه موسيقار الأجيال " محمد عبد الوهاب " حول أغنيته ( أنا و اللي بحبه ) حينما تمنى على الموسيقار " فريد الأطرش " - أعتقد بعد رحيل الثاني - أنه لو قدّم ( الكوبليه ) الثاني أو النقلة السريعة المدهشة و النوعية ، من هذه الأغنية التي يقول فيها : ( أنت روحي و أنت فرحي .. أنت نوحي و أنت جرحي ) باللحن عينه الذي اختاره لمطلعها ( التانجو ) الراقص ، غير اللحن الشرقي الذي خصّصه لها ، لا سيما و أنه ، لم ينتهِ بعد من مطلعها ، عند إنشاده لهذا البيت ، لكأنه لم يكـُن يعلم بأنّ هذه الفكرة ، قد وردت على الموسيقار " فريد الأطرش " نفسه ، لكنه طرحها من مخيلته و عدل عنها بمحض إرادة الجُمل الموسيقية الدافعة لما قبلها ، التي تـُظهر نفسها رغماً عن أنامله ، ليأتي فيما بعد المُلحِّن الراحل " بليغ حمدي " ليُشيدَ بهذه الأغنية البديعة من البداية حتى النهاية - لحناً و أداءً و توزيعاً - فهو فيما اعتمده من ألحان ، كما الكاتب ، الذي نراه أحياناً ، غزيراً في إنتاجه ، على الرغم من أنّ جودة المادة التي يُقدِّمها لقارئه ، تتذبذب و تتباين أحياناً ، كل ذلك ، ليفتح أمام الأفكار الأهم و الأحدث ، فـُرجةً و فرصة لتخرج بانسيابية من عقالها الذي يكرّسها إلى الوراء ، لكني مع ذلك ، أرى أنه ، تتوجب في الأفكار التي يزيحها من أمام أفكاره الأكثر أهمية ، أنْ تكون في سويّة متوسطة على أقل تقدير ، لكنْ في الجانب الغنائي و مع " فريد الأطرش " بالتحديد ، نجد أنّ كل ما ألـّـفه من ألحان قصيرة مُزاحة من سبيل أغنياته الأهم ، كما ( الربيع ) و ( أول همسة ) و ( حكاية غرامي ) و ( سألني الليل ) كان من الأهمية إلى حدّ أنّ أعماله القصيرات ، صارت تنافس أعماله الطويلات ، التي يراها البعض منّا ، هي الأفضل ، فأغنياته القصيرة ، مثل ( دقوا المزاهر ) و ( ما قالي و قلتله ) و ( تقول لا ) و ( زينة ) و ( يا حليوة ) و ( وحداني ) و ( يا مقبل يوم و ليلة ) و ( اشتقتلك ) و ما إليها من أغنيات أخر ، لست في وارد ذكرها الآن ، و يضيق المجال في هذا المقال ، لتعدادها لكم ، ترسَّخت في ذائقة المتلقي ، جيلاً بعد جيل ، على الرغم من أني كنت و ما زلت أراها ، هي من فرضت نفسها على هذا المُطرِّب الراحل ، لكأني بها قد اختارته ، ليكون الطريق التي تصل على أديمها إلى الناس ، لعلِّكم تتساءلون : كيف ذلك ؟ و إجابة ًمني على تساؤلكم ، أعود بكم إلى زمن إنتاج هذه الأعمال القصيرة ، حيث إنها تزامنت في ظهورها مع أغانيه الطويلة ، فأغنيته ( أنا و اللي بحبه ) ، و هذه كلماتها لمن يرغبها :
أغنية : أنا و اللي بحبه
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمات الشاعر الكبير : مأمون الشناوي
لحن و أداء الموسيقار الخالد : فريد الأطرش
من فيلم : أخر كذبة – سنة : 1953 ميلادياً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنا و اللي بحبه و عاهدته افـ بحبي
حبيبين فـ الدنيا عايشين في الجنة سوى
دا غرامي في قلبه و غرامه افـ قلبي
و لا حدش يقدر يفرق بينا
أنت روحي و أنت جرحي
أنت نوحي و أنت فرحي
…
نعيم الدنيا في حبك
و حبك عندي بالدنيا
و كل دقيقة في قربك
تفوت أجمل م الثانية
دا الهنا أنت و المنى أنت
حتى أنا أنت
…
ما هوش ذنبي و لا ذنبك
تزيد في قربنا الأشواق
ما بين قلبي و بين قلبك
غرام ما خطرش للعشاق
دا الهنا أنت و المنى أنت
حتى أنا أنت
…
التي لا يلتفت إليها الكثيرون ، و لم يغنِها في حفلاته ، و كنت قد حدثتكم عنها بعاليه ، و عمّا قاله عنها موسيقار الأجيال " محمد عبد الوهاب " حيث أردف إلى ما نوه إليه بشأنها ، بهذه العبارة الخالدة " : " لو أخذ فريد من عمري خمسة أعوام نظير هذه الأغنية ، لم أتردد لحظة واحدة " قد جاءت في فيلم ( أخر كذبة ) سنة 1953 ميلادياً ، و بُعيدها بزمن ليس بطويل ، أنتج أغنيته ( طال غيابك ) التي لاقت صدى مدوياً بين محبيه ، سنة ظهورها ( 1956 ميلادياً ) كما أنه ضمّن في ( فيلم : ما ليش غيرك ) سنة 1958 ميلادياً ، أغنية ( يا حليوة ) :
أغنية : يا حليوة
ــــــــــــــــــــــــ
كلمات الشاعر : فتحي قورة
لحن و أداء موسيقار الأزمان : فريد الأطرش
من فيلم : ما ليش غيرك – سنة : 195 8 ميلادياً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يا حليوة يا حليوة يا حليوة
في القلب هواك غنيوة
حبك نساني يا حليوة
كل الحلوين يا حليوة
…
لما عيونك شبكتني
و عطفت عليا و جيتني
ما عرفش يا حبيب قلبي
ازاي الدنيا سعتني ؟
و سهرت أفكر فيك
من يوم ما شغلتني بيك
و احلف بغلاوتك يا حليوة
ما لقيت في حلاوتك يا حليوة
في القلب هواك غنيوة
…
و حياة قلبي الولهان
و عليا ما لك حلفان
لو قالوا دواك نور عيني
اديلك روحي كمان
راح احوشها عنك ليه ؟
من غيرك ح تساوي ايه ؟
و أنا ليا مين يا حليوة
يا سيد الحلوين يا حليوة
في القلب هواك غنيوة
و هي من كلمات الشاعر " فتحي قورة " الذي عُرف بأغانيه القصيرة في أبياتها ، مثل ( قلبي و مفتاحه ) هذه الأغنية ، التي جاءت ضمن كوكبة جميلة من أعماله الطويلة المعروفة في تلك الفترة لتفسح المجال أمام أغنيات له مهمة جداً مثل أغنية ( يا قلبي يا مجروح ) إذ تـُعدُّ مثالاً جيداً أسوقه لكم في هذه العجالة على ما جئت على ذكره سلفاً ، بخصوص أنّ هذا الفنان الكبير ، كان يختزل الأغنيات الطويلة ، فيجعل منها أغاني قصيرة ، و العكس صحيح ، إذ أنّ لهذا الفنان القدرة على تمطيط الأغاني القصيرة و تصيّيرها إلى أغان ٍ طوال ، في حفلاته على ركح المسرح ، كما فعل في أغنية ( اشتقتلك ) و ( يا ويلي ) و ( نورة ) فأغنية ( يا حليوة ) التي نحن بصدد الحديث عنها و الاستماع إليها تواً ، مدّد في زمنها أثناء إحدى حفلاته ، و جعله ضعف زمنها الأصلي المحسوب عند تسجيلها لتعرض في الفيلم المذكور ، نتيجة ً لإعادة المذهب أكثر من مرة.

الأغنيات القصيرة وليس ( الأغنيات القصيرات )!!...يالغة عربية ...أسلوبك إنشائى بحت يتصف بالحشو والإكثار من المرادفات ..والتكرار هو حبل النجاة لملء المادة!!!.........ياعزيزى ( شوفلك شغلانة تانية)!!!
ردحذف